صلاح سرميني ـ باريس
انتظارٌ, انتظار.
صباحي ينتظر مساؤك, ومسائي ينتظر وعودك, ليلتي تنتظر أحلامك, ونومي ينتظر حضنك, عواطفي تنتظر حبك, وأخطاء غبية, وجرائم بديعة.
أنتظر خليلي, وحبيبي, الطريق معطرٌ بالأزهار الناعمة, قلبي يتألم, هناك منظرٌ بهيجٌ أمام عينيّ.
ومع ذلك, موسم الحب مهجور إلى رياح مُعطرة, وسحبٍ مُبللة.
أنتظر غيومي, وموسم الأمطار.
أنا في انتظار دقات قلبي, وأنفاسي, وحياتي.
سوف تهطل السماء مطراً في يومٍ ما, ليروي عطش القرون في لحظات, عندها سأضمّك إلى حضني, وتتوقف أنفاس الوقت, وألجأ إليك مدى الحياة.
أنا في انتظار قدومك, والحصول عليك, وعدم عودتك أبداً.
يكتسبُ الفيلم الهنديّ Paap (من إنتاج عام 2003) أهميته ـ على الرغم من فشله التجاري وقت عرضه ـ بأنه من إخراج امرأة (Pooja Bhatt), وهو أمرٌ نادرٌ في السينما الهندية التي يقترب إنتاجها السنويّ من حوالي ألف فيلم روائي طويل يُنجزها مخرجون رجال, باستثناء عدد محدود جداً من أفلام المخرجات, مثل :
Farah Khan
Reema Rakeshnath
Leena Yadav
Reema Kagti
Zoya Akhtar
وسوف نعثر على بعض الأسماء المُهمّة في سينما المُؤلف, مثل :
Gurinder Chadha
Deepa Mehta
Mira Nair
Nandita Das
ومنهنّ ثلاثة يعشن خارج الهند.
و(Pooja Bhatt) ممثلةٌ هندية معروفة, بدأت مسيرتها الفنية في عام 1989مع الفيلم التلفزيوني (Daddy) من إخراج والدها (Mahesh Bhatt), ولهذا, فهي لم تقدم على إنتاج, وإخراج فيلمها الطويل الأول (Paap) رغبة منها بأداء الدور الرئيسيّ فيه ـ كما يحدث غالباً في السينما المصرية ـ بل تحمّلت خطورة الاعتماد على عارضة أزياء لا تمتلك أيّ خبرة سابقة في عالم السينما, هي (Udita Goswami), والتي أكملت فيما بعد مشوارها السينمائيّ في بعض الأفلام القليلة.
والأكثر لفتاً للانتباه في(Paap), تلك الجرأة الواضحة باقتحام مناطق خطرة في السينما الهندية (الدين, والجنس), ومعالجتها درامياً بحساسيةٍ نسائية, بدون الوقوع في فخّ إظهار صورة نمطية كاريكاتورية, وعلى الرغم من صرامة, وتزمت شخصية الأبّ, كما سوف يتضح لاحقاً في قراءتي للفيلم, إلاّ أنه قادرٌ على الاعتراف بخطأ توجيه ابنته في طريقٍ تعبديّ/ روحيّ لا ترغبه.
ومع أنّ المشاهد الحسيّة في الفيلم تُعتبر من الأكثر جرأةً في السينما الهندية, ولكنها تحتفظ بحياءٍ خاصّ, وحساسيةٍ شعرية .
من المهمّ الإشارة أيضاً, بأن (Pooja Bhatt) هي واحدةٌ من عائلةٍ سينمائية, وهو أمرٌ معتادٌ في السينما الهندية, فجدّها المخرج (Nanabhai Bhatt), ووالدها المخرج, والمنتج (Mahesh Bhatt), وأمها الممثلة (Soni Razdan), وأخوتها المخرج (Vikram Bhatt), والممثل (Emraan Hashmi), وأختها الممثلة (Hrishita Bhatt), بدون نسيان عمّها المخرج, والمنتج (Mukesh Bhatt).
والسينما الهندية قادرةٌ على إدهاش المتفرج المُغرم بها, حتى وإن تكررت أفكارها, مواضيعها, وأحداثها, لأنها في كلّ مرة تتجسد في مذاقٍ مختلف.
وهي تمتلك أسلوبها الخاصّ الذي لا يشبه أيّ سينما أخرى في العالم, ولا حتى السينما المصرية التي تتقاطع معها في كثيرٍ من الأفلام.
وإحدى المُفردات الجمالية التي تعتمد عليها, اللجوء إلى الأغاني, الرقص, والموسيقى الراسخة في الثقافة الشعبية الهندية, وسينماها بالتحديد, بغرض التعبير عن أحاسيس, ومشاعر وجدانية, وحسيّة لا تستطيع حالياً إظهارها بشكلٍ صريح, مثل : الرغبة, والجنس..
و"انتظار", أغنية افتتاحية ساحرة تدوم حوالي 8 دقائق زمنياً, يغلب على موسيقاها الطابع الشرقي, وكأننا نستمع إلى أغنيةٍ عربية, لا يؤديها صوتٌ حادّ كما عودتنا عليه الأغاني في أفلامٍ هندية أخرى.
يمكن سماعها, ومشاهدتها مراتٍ, ومراتٍ بدون مللّ, والاستمتاع بتلك اللقطات العامة لطبيعةٍ ملونة تسترخي وسط جبال الهيمالايا, وتزين قممها, حتى وإن اقتربت من أسلوب البطاقات السياحية.
هناك, في أحد الوديان الهادئة في "Spiti", تنتظر كايا (Udita Goswami) بدون اعتراضٍ تنفيذ رغبة والدها بالرحيل إلى معبدٍ بوذيّ, وتعيش وحدتها, وفراغها العاطفي, وتعوم في بحيرةٍ لتتخلص من تأجج رغباتها.
كان بإمكان المُخرجة تجسيد انتظار الحبيب المُرتقب بأيّ طريقةٍ درامية مباشرة, ولكنها لجأت إلى الأغنية التي منحت بداية الفيلم ألقه الشعريّ, والشاعريّ.
وافتراضية حذفها, والاكتفاء بالمشهد الذي نرى فيه والد "كايا" يُعنفها لأنها تكتب الشعر, سوف يُفقد بداية الفيلم جمالياته, وروحه الموسيقية.
على أيّ حال, من السهل للمُتفرج المُتدرب على مشاهدة الأفلام الهندية الفهم بأنّ تلك الأغنية كانت المُعادل البصريّ لكتابة قصيدة " انتظار", وأن (كايا) تقضي أوقاتها في التأمل, ونظم الأشعار, وتنتظر فارساً ينتشلها من ذاك المكان.
ولا يمكن إغفال الجانب الحسيّ في التقاطع المونتاجيّ بين سباحتها عارية في البحيرة, وتجوالها التأمليّ وسط الطبيعة, وكلمات الأغنية التي تنضح شهوانية عارمة.
تزخر الأفلام الهندية بفكرة العودة إلى الحياة من جديدٍ (مثل فيلم "قصة حبّ 2050" لمُخرجه Harry Baweja, وإنتاج عام 2008), وفي(Paap) يحلم الكاهن "نوربو" بأنّ المُعلم البوذيّ الكبير"Rinpoche" سوف يُبعث من جديدٍ في صبيّ(Madan Bhiku), فيُرسل "كايا" إلى دلهي لإحضاره.
منذ البداية, نعرف بأنها لن تعترض, وهي لا تمتلك خياراً آخر, والسيناريو يقودها إلى قدرها.
في ذاك المشهد, يمزج المونتاج بين زمنيّن, ومكانيّن مختلفين, إذّ حالما ينتهي الكاهن "نوربو" من كلماته, تتحرك الكاميرا بسلاسةٍ مدهشة مروراً بتمثالٍ مقدس قرب الدير, وحتى أحد النصب المعمارية الدالة على مدينة دلهي, ومن ثم نرى "كايا" وسط الزحام مصحوبة بصوت الكاهن يطلب منها إحضار الصبيّ معها.
قبل العودة إلى الدير, وفي حمامات الفندق, يشهد الصبيّ على جريمة قتل, وسوف يهتمّ الضابط شيفين (John Abraham) بالتحقيقات.
لقد وضع السيناريو عقبة أمام عودة "كايا" إلى الدير, وسوف يتوجه الفيلم في مساريّن متوازيين :
ـ البحث عن القاتل.
ـ وعلاقة حبّ سوف تتطور لاحقاً متضمنة عقباتٍ, وصعوباتٍ من نوع آخر.
ولكن "شيفين" يكتشف مؤامرة تُحاك ضدّه من زملائه, ومرؤوسيه في العمل, وخطورة أكيدة على حياة الصبي, ومُرافقته, ولهذا, يقرر حمايتهما, وإرجاعهما بنفسه إلى الدير.
عندما يصحبهما إلى منزل أخته, تشعر "كايا" بالخجل من رؤية صوراً عارية معلقة على الحائط, ونفهم بأنّ التزامها الديني سوف يُشكل عقدة إضافية في علاقة الحبّ المُرتقبة.
من جديد, سوف تتأكد أخلاقياتها في المطعم, حيث تنتقل مع الصبي من طاولةٍ إلى أخرى لتجنب الجلوس بجانب عاشقيّن يتبادلا القبلات علناً, وأكثر من ذلك, سوف تطلب من الصبي بأن يغضّ بصره.
في نفس المكان, سوف يتعرف الصبي على المجرم بمُشاهدته لبرنامجٍ يبثه جهاز التلفزيون.
هاهو الأمر يتعقد أكثر فأكثر, لأنّ القاتل شرطيّ يعمل لحساب عصابة, وسوف تبدأ متاعب "شيفين" معه, ومع نائب مفوض الشرطة المُتورط أيضاً في الجريمة.
يبتعد الفيلم قليلاً عن الأسلوب المُتعارف عليه في الغناء المباشر للشخصيات الرئيسية, أو الثانوية, في الأغنية الافتتاحية, "كايا" لا تغني, وفي الثانية, "شيفين" لا يغني أيضاً, بل تنطلق الأغاني من شريط الصوت, وكأنها إحدى عناصره, مثل الموسيقى التصويرية.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ