الجمهور السينمائي المغربي و طقوس المشاهدة السينمائية
كتبهاصلاح سرميني ، في 24 أغسطس 2007 الساعة: 11:34 ص
السينما كفضاء للتحرر
عمار عبد الرحمن ـ بامبرغ/ألمانيا

لكل جنس ابداعي طقوس تميزه سواء لدى المبدع او لدى المتلقي , و تعتبر السينما من بين الاجناس الابداعية التي تقترن بها مجموعة من الطقوس خصوصا اثناء مرحلة العرض و التلقي و هي المرحلة الاكثر اهمية و الحاسمة في كل عملية ابداعية سينمائية . فاذا كان الجمهور المثقف متسلحا بنوع من الثقافة السينمائية تتيح له التعامل مع المنتوج الفيلمي باستراتيجية معينة , فان الجمهور الشعبي يتعامل بدوره مع المنتوج الفيلمي وفق خصوصياته الاجتماعية و وفق افق انتظاراته . و سنحاول الوقوف عند بعض الطقوس المصاحبة لعملية التلقي السينمائي لدى الجمهور الشعبي .

بالرغم من كون اغلب القاعات السينمائية الشعبية تحتل مواقع هامشية في جغرافية و فضاءات المدينة لا انها تستحضر في الثقافة الشعبية كفضاء يمتد فيه الشارع و الحي . قبل و و اثناء و بعد كل عرض سينمائي تلاحظ حركة كثيرة في فضاء القاعة , خروج / دخول , دخول / خروج … و هي عملية نادرا ما تتوقف بغض النظر عن اهمية الفيلم و مدى تجاوب الجمهور معه . هذه الحركة المبالغ فيها احيانا تتخذ في لاشعور الجمهور الشعبي دلالات كثيرة منها :
ـ كونها رد فعل منطقي ضد الملل الذي قد يتسلل الى ذهن المتلقي
ـ كونها سلوك يعطي الانطباع ان القاعة السينمائية لا يجب ان تسلب من الانسان الشعبي حريته و ارغامه على الالتزام ببرتوكول الفضاء .
العديدون عبروا لنا ان عزوفهم عن القاعات السينمائية الراقية هو بسبب الزامية التزام الصمت و عدم ازعاج الاخرين اثناء المشاهدة . فاذا كان الجمهور النخبوي يرتد القاعة السينمائية بعد تناول و جبة الغداء او العشاء في مطعم راقي في محيط القاعات , فان الجمهور الشعبي يستمتع اكثر عندما يتناول طعامه ابان العرض , لذلك تجد محلات شعبية لبيع الوجبات السريعة تنتشر في محيط القاعات .
و بخصوص المشروبات فاضافة الى المشروبات المرخص لها فان السينما تعتبر لدى البعض فضاءا يضمن تناول الخمور و التدخين بكل حرية و بعيدا عن سلطة الرقابة الاجتماعية خصوصا عند الفتيات .
ان الظلام الدامس و الذي تكسره بين الفينة و الاخرى الانارة الفيلمية تضمن للجمهور الشعبي هوية فردية و جماعية متوارية و غير مكشوفة يرتفع بسببها هامش الحرية . و يلا حظ ذلك خصوصا على مستوى التعليقات المصاحبة للفيلم .
فاذا كان الجمهور النخبوي يوظف معجما سينمائيا في تعامله مع المنتوج الفيلمي فان الجمهور الشعبي ينادي معجمه الشعبي . فعندما يتعلق الامر بلقطة جيدة تسمع احدهم يصيح بصوت مرتفع : شوف الخدمة شوف , او , واو واو , صفير ,
… و قد يكون المخاطب احد المرافقين او يكون عبارة عن حوار داخلي بصوت مرتفع . في افلام الاثارة يرتفع ايقاع الشريط و يرتفع ايقاع التعليقات المصاحبة للقطات و المشاهد هنا و هناك كالقول : و لد الحرام , شوف اش غادي يدير , العفو , خطر , ماعندي ما نقول , الله يعطيه الصحة …
اذا كان الجنس على العموم من الطابوهات التي تفرض احترازا كبيرا في التعامل معها في الحياة اليومية , فان القاعات السينمائية تحقق نوعا من التحرر من هذه العقدة . فدائما تكون المشاهد الجنسية مصاحبة بتعاليق عديدة تتراوح بين التماهي او الرفض او هما معا و من بين هذه التعاليق : واو على زين عندها , اح اح , الله يعطيك لمسخ , اللهم ان هذا منكر …
مع التركيز على التعاليق تختلف من جنس فيلمي الى اخر , فعندما يتعلق الامر بافلام غربيية يتقبل الجمهور الشعبي كل المشاهد نضرا لكونها طبيعية في ثقافة الاخر , لكن المسالة تاخذ ابعادا اخرى عندما يتعلق الامر بفيلم و طني اذ تحضر التاويلات الموجهة من طرف الراسمال الثقافي الشعبي .و كثيرا ما اثارت هذه النوعية من الافلام ردود فعل تخرج من السياق الابداعي و تتخذ ابعادا سياسية و دينية كما كان الحال مع : حب في الدار البيضاء لعبد القادر لقطع , لحظة ظلام لنبيل عيوش , ماروك لليلى المراكشي … و يبين ذلك نوعا من انشقاق الوعي لدى المتلقي الشعبي , فاذا كان الامر يتعلق بمشهد جنسي يمارس في المغربي مع اجنبية فان ذالك يحقق لذة جماعية و يعطي له المتلقي الشعبي بعد الانتصار على الاخر او الانتقام منه و نسمع عبارات ك : الله يعطيك الصحة , راجل … غير ان العكس , اي مشهد يمارس فيه اجنبي الجنس مع مغربية , يعطى له بعد الاستسلام و الانهزام امام الاخر و تسمع في هذه الحالة عبارات من قبيل : تفو عليك , مسخوطة , اللهم ان هذا منكر , شوهتينا, صفير , خروج بعض المتفرجين من القاعة ,انحناء الراس … فالتواجد داخل فضاء جماعي يحتم على الفرد لعب دور حارس القيم الجماعية و المدافع عن كرامة المجتمع و هي قيم تستمد في جزء كبير منها مبرراتها في الثقافة الاسلامية التي تصور الجنس عورة يجب سترها امام العيان .
عمار عبد الرحمان : باحثٌ مغربيّ في سوسيولوجيا السينما, والثقافة الشعبية, . يتابع دراسته بجامعة بامبرغ في ألمانيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عمار عبد الرحمن | السمات:عمار عبد الرحمن
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























