تُنشر الأخبار, والمقالات, والدراسات المُدرجة في مدونة سحر السينما بمُوافقةٍٍ شفهية,أو خطية مُُسبقة من مؤلفيها


 

وداعاً عثمان سمبين

كتبهاصلاح سرميني ، في 15 أكتوبر 2007 الساعة: 14:04 م

 

 

خسارة تاريخية فادحة لسينما العالم الثالث
            
  البَحَّار الفقير أَبُ السينما الأفريقية المستقلة*
 
                                          عبدالله حبيب
 
نني أسائل نفسي باستمرار. لا أبحث عن مدرسة ولا عن حل بل أوجه أسئلة وأجعل الآخرين يفكرون".
-عثمان سمبين-
 
لا شك أن جلل الخطب والقامة الباسقة والعالية للراحل الكبير يقتضيان ما هو أكثر وأعمق من هذه المادة، لكن اللجوء إلى "أضعف الإيمان" والحد الأدنى حيث لا حول ولا قوة أمام الموت وعدم مواتاة الظرف الشخصي هو المتاح للمرء راهناً، خاصة في ظل تجاهل الخبر الحزين في الغالب المغلوب من صحافة بقعة كبيرة من الأرض كان الراحل، وهو بالمناسبة أحد الموقعين على بيان قرطاج السينمائي، قد زار بعضاً منها وأودع فيها كلّها الكثير من أحلامه وطموحاته ومراهناته على مستقبل إنساني أفضل، أعني الصحافة العربية السادر جُلُّها في تغطية وتبهير وتتبيل أخبار راقصات وفنانات الـ "هشّك بشّك" من فوق ومن تحت وما بينهما.
إذاً فقد توفي عثمان سمبين، المخرج السينمائي الأفريقي الأشهر باستحقاق شديد، بل وأول المخرجين الأفارقة الذين تمكنوا ضمن تحديات كانت تبدو مستحيلة لفرط صعوبتها من وضع صورة الأفريقي على الشاشة باعتبارها ذاتاً خلاقة فاعلة وليس موضوعاً غَيْرِيَّاً و"إكزوتيكيَّاً". يتذكر المرء هنا ان المناضل والمثقف الإفريقي الأشهر فرانز فانون الذي دُفِنَ في الجزائر بناء على رغبته كان قد كتب مرة انه كان يصاب "بالرعب" حين يرى صورة الإفريقي على الشاشة. توفي سمبين في منزله الصغير والمتواضع في دكَّار، عاصمة بلاده السنغال، بسبب تعقيدات صحية ناجمة عن إصابته الطويلة بمرض السرطان عن عمر بلغ أربعة وثمانين عاماً (وهذا عمرٌ، على الرغم من مديده الظاهري، قصير للغاية بالنظر إلى ما كان سمبين مؤهلاً وناضجاً للقيام به لو أمهله العمر وتوفرت له الإمكانيات الإنتاجية أكثر). توفي عثمان سمبين، إذاً، في وقت متأخر من يوم السبت 9 يونيو 2007. وقد جاء خبر الوفاة (ربما بناء على رغبة سمبين نفسه المعروف بنأيه المتطرف بذاته عن كل ما هو سُلطوي ورسمي) عبر نعي شخصي قصير صادر من عائلة الفقيد وليس من الحكومة السنغالية التي احترمته وأعجبت به دوماً (لكن من دون أن تستطيع مجرد احتواءه نسبيَّاً على الأقل، هذا ناهيك عن شراء ذمتِّه وتدجين نزعته النقدية أو تجييرها لصالحها) وغضبت عليه واستاءت منه (لكن من دون أن تتمكن من أن تنكر أهميته أو تحدَّ من شعبيته والتقدير الذي ناله في بلاده بل وفي بلاد الأرض قاطبة، بل أنها كانت تزهو وتفاخر به العالم حتى في بعض اجتماعات منظمة الأمم المتحدة). بهذا المعنى يقف عثمان سمبين بقامته المُتَرَفِعَّة الرفيعة مثالاً فريداً على شروط الكبرياء والأنفة والنزاهة والمواقف السياسية والفكرية المبدئية والأخلاقية العالية في تعامل المثقف مع السُّلطة خاصة في بلدان العالم الثالث التي لا يحتفظ فيها كثير من المثقفين بسجل شريف نظيف في علاقتهم بالمؤسسة للأسف الشديد، بل انهم يساهمون بسخاء مقبوض الثَّمن نهاراً جهاراً في ستر عوراتها وتجميلها ومأسستها الديكورية الحداثيَّة الكاذبة أمام الرأي العام محليَّاً وخارجيَّاً.  وقد دفن سمبين صباح يوم الإثنين 11 يونيو بحضور عدد كبير من رجالات السياسة والفكر والثقافة التاريخيين السنغاليين وغيرهم من أقرانهم الأفارقة الذين توافدوا إلى دكَّار في مدة قصيرة من مختلف بقاع القارة السمراء للمشاركة في تشييع سمبين الذي اكتسب احترامهم العميق وتقديرهم وإعجابهم بجدارة عالية طوال مسيرته الإنسانية والسياسية والإبداعية الاستثنائية والمذهلة. 
وفي مراسم الدفن صرَّح عبدو ضيوف، الرئيس السنغالي السابق قائلاً انه "لقد خسرت افريقيا واحداً من أعظم مخرجيها السينمائيين"، وأضاف ما يعرفه الجميع تقريباً وهو أن القارة الأفريقية "فقدت مُدَافِعاً متوهجاً عن الحرية والعدالة الاجتماعية". أما شيخ عمر سيسوكو، المخرج السينمائي الأفريقي المعروف ووزير الثقافة في جمهورية مالي وصديق سمبين القديم الذي أصر على حضور الجنازة، فقد قال ببساطة: "لقد فقدت السينما الأفريقية واحداً من فناراتها"، وأضاف مُلَخِّصَاً المشروع التاريخي والجمالي للراحل الكبير: "لقد قاد سمبين أفريقيا نحو فهم هويَّتها وبناء أفقها الثقافي". أما بابا هاما، الأمين العام لمهرجان أوغادوغو السينمائي في جمهورية بوركينا فاسو والذي أصرَّ بدوره على السفر إلى دكَّار بسرعة وإلقاء النظرة الأخيرة على صديقه القديم سمبين والمشاركة في تشييعه إلى مثواه الأخير، فقد أوجز مسيرة الراحل الكبير في كلمات قليلة وعميقة: "لقد كان سمبين نموذجاً للنضال، والحب، والتواضع".
 
سؤال الميلاد، قلق الهوية
ولد عثمان سمبين في منطقة زيغوينشور من إقليم كاسامانسي النَّهري في شمال السنغال في الأول من يناير عام 1923 لأب مسلم متديِّن يعمل صياد أسماك نهريَّاً، وكان عمُّه فقيهاً وعالم دين مسلم كبير خابت مراهناته وطموحاته الكثيرة في أن يخلِفه سمبين الصغير والشقي والرافض والمتمرد والقَلِق. وقد تركت صدفة الميلاد لعائلة مسلمة ضمن هذه الحيثيات الخاصة بصماتها وقلقها المتأججين على أوجه حياة سمبين الشخصية، والسياسية، والفكرية، والفنية اللاحقة مع انضوائه تحت راية الفكر الماركسي في وقت مبكر واعتناقه للأفكار العلمانيَّة والحداثيَّة في بلاد ذات تراث ديني جدلي متضارب، وتعاني- فوق ذلك-  من توترات دينية وعرقية وطائفية كثيرة بين سكانها المسيحيين والمسلمين إن في مرحلتها الكولونيالية أو خلال فترة الدولة الوطنية المستقلة. وفي السياق هذا يقدم سمبين في فيلمه الملحمي "تشيدو" المنجز في 1977 (وتعني المفردة "الأجانب" بلغة الوولوف الأفريقية وهي اللغة المحليَّة الأولى في السنغال) الذي يعتبره كثير من النقاد التحفة السينمائية الأهم في أعمال المخرج الراحل قراءة إشكاليَّة جريئة لأوجه التأثير الإسلامي والاستعمار الأوروبي على التاريخ والثقافة الإفريقيين، ويسلط الضوء على حقيقة ان تجارة الرقيق المرتبطة بمشروعات "الهداية الدينيَّة" إنما تشكلان عصب تاريخ أفريقيا الحديث واصطدامها بالعالم الخارجي. وقد أثار هذا الفيلم الكثير من الجدل في السنغال، وتم منعه لسنوات طويلة خاصة وأن أحد الممثلين فيه يشبه تماماً ليوبولد سنجور، أول رئيس سنغالي. 
لقد كان سمبين يبحث بكَدّ ودأب وعناد جليل عن "افريقيا الأولى" التي هي، من وجهة نظر الكثيرين بمن فيهم شخصي المتواضع، ضَرْبٌ من الحنين النبيل الموجع والمستحيل، وصورة مرآويَّة مثاليَّة (وإن كانت "المثاليَّة" ليست كلمة سيئة بالضرورة). والحقيقة أن سمبين تراجع إلى حدود كبيرة عن فكرة "النقاء" في أواخر حياته حيث صرَّح في 2005، مثلاً، ان "مقولات النقاء قد أصبحت شيئاً ماضويَّاً".
 لكن الحقيقة أيضاً هي أن سمبين، ومنذ فيلمه الروائي الطويل الأول "بنت سوداء" (1966) أخذ يلجأ إلى استعمال وتجذير الأيقونات والرموز الدينية المحلية والثقافية الشعبية الإفريقية في مرحلة ما قبل وصول الديانات التوحيدية الكبرى (الإسلام والمسيحية واليهودية) إلى القارة السوداء وذلك في عودة واستدعاء أسطوريين للذات الإفريقية القديمة عبر منابعها الثقافية والروحية الأولى التي من المفروغ منه انها شكّلت الكثير من اللَّبِنَات الأولى للحضارة البشرية كما نعرفها اليوم. فلنتذكر، مثلاً، كتاب مارتن بيرنال الإنقلابي القيِّم "أثينا السوداء: الجذور الأفرو-آسيويَّة للحضارة الكلاسيكية". يتذكر المرء في هذا السياق على سبيل المثال ذلك الإنشاد الترتيلي الجماعي الأفريقي الجليل بينما الشاشة مغمورة بالسواد في مفتتح فيلمه "بوروم ساريه" (1963). لقد كان ذلك الإنشاد المهيب يتدفق عبر ما يمكن وصفه بأنه مُرَافََََقَََة للتكوين ومُلازَمَة له. ويتذكر المرء أيضاً صورة ايقونيَّة ميثولوجيَّة أفريقية تَرِدُ بصريَّاً بصورة يبدو للمشاهد العابر انها عابرة، لكنها في الحقيقة في غاية الحذق على الرغم من سرعتها، في فيلمه البديع "خالا" (1974). وتبرز كذلك أسئلة الدين والتباساتها وانعكاساتها العاتية على كافة شؤون الحياة في واحد من أفلام سمبين المتأخرة هو "غويلوار: أسطورة أفريقية للقرن الواحد والعشرين" (1992). و"غويلوار" هو اسم شخصية لقسٍّ كاثوليكي راديكالي سياسياً يبدأ الفيلم بموتها ودفنها بطريق الخطأ في مقبرة إسلامية، لتتابع بعد ذلك أحداث الفيلم معرِّية التوترات الدينية والتاريخية بين المسلمين والمسيحيين وإعاقتها لبناء الدولة ما بعد الكولونيالية الحديثة في السنغال، وكذلك معرِّية التوترات بين المسلمين والمسيحيين من جهة، ومنظمات الإغاثة الدولية العاملة في إفريقيا ما بعد الكولونيالية من جهة أخرى. لقد هاجم سمبين في عدة مناسبات منظمات الإغاثة الدولية تلك قائلاً انه لا يستطيع أن يفهم كيف ان أفريقيا، وهي سلَّة غذاء العالم، تتقبل معونات غذائية من الشرق والغرب في استكمال مرير للتعهير الذاتي في الحقبة ما بعد الكولونيالية ("إفريقيا عاهرة لكني أحبها" كما قال في محاضرة له في معهد الفيلم البريطاني ألقاها وهو مرتدياً زيَّاً أفريقيَّاً شعبيَّاً بسيطاً).
وبالنسبة إليَّ عليَّ الاعتراف هنا انه ظلَّ هناك دوماً ما يقلقني في هذا الفيلم (اي "غويلوار")، حيث بدا لي ان سمبين قد وقع فيه في أفخاخ "مفاضَلات اضطرارية" من نوع ما، بل انها تكاد تكون مانويَّة في بعض المشاهد. وقد كنت أنوي إثارة قلقي مع سمبين مباشرة حيث حجزت لي موعداً معه حين كان يُزمَع حضوره للمشاركة في مهرجان كبير عن أعماله أقامته جامعة كاليفورنيا في لوس أنجيليس في 1997، غير انه للأسف ولسوء حظي تعرض الرجل لأزمة صحية مفاجئة اضطرته للاعتذار عن الحضور الذي أنابه فيه الفونس كاواويسي تيكبيتي، وهو ناقد سينمائي افريقي كان قد ألف كتاباً بعنوان "الالتزام الاجتماعي والسياسي في أعمال عثمان سمبين". غير ان الأستاذ تيكبيتي لم يقتنع بوجهة نظري التي أثرتها ضمن مناقشات المهرجان، كما اني في المقابل لم أكن متحمساً لدفاعه البيداغوجي والمثالي أكثر مما ينبغي عن سمبين حسب اعتقادي. والحقيقة إني أزمع وقفة تفصيلية لدى هذه النقطة في مناسبة قادمة وأكثر تأنياً.
 
خريج "جامعة الحياة"
لم يكن سمبين عضواً في نادي "النخبة المتعلمة" في إفريقيا الذي تنتمي إليه رموز وطنية كبيرة ومهمة في العمل السياسي والثقافة الإفريقيين كالكاتب وأول رئيس سنغالي في فترة الاستقلال ليوبولد سنجور (الذي استقال من منصبه الرئاسي المُنْتَخَب لأجله كي يتفرغ لاهتماماته الأدبية في خطوة "عالمثاليَّة" غير مسبوقة خاصة بالنسبة لبعض الحكَّام العرب الذين فاجأونا مؤخراً، ضمن مفاجآتهم التي لا تنتهي، بإصدار مجموعات قصصية وروايات) والكاتب والسياسي المارتينيكي أيمي سيزير (الذي بالطبع لا يمكن الحديث عن أفريقيا الحديثة من دون الحديث عنه)، إذ ان سمبين لم ينل إلا قسطاً ضئيلاً من التعليم الابتدائي الحديث بعد أن قرأ قليلاً في المدرسة الإسلامية، ذلك ان سمبين غادر المدرسة الفرنسية مفصولاً فصلاً نهائياً بعد أن قام بضرب ناظر المدرسة الفرنسي في "علقة ساخنة" أمام التلاميذ لأن هذا كان يتعمد إهانته (كانت المصارعة أحد اهتمامات سمبين المبكرة). وفي أية حال لم تكن ظروف سمبين المعيشية القاسية لتسمح له بمواصلة التعليم الابتدائي حتى ولو لم يحصل ذلك الشجار. ومن هنا فقد أكمل سمبين تعليم وتثقيف نفسه بنفسه بالطريقة العصاميَّة، متنقلاً خلال ذلك من العمل كصياد أسماك، وعامل بناء، ونجَّار، وسبَّاك، وميكانيكي، وعتَّال.  وفي هذا الصدد يقول سمبين الشغوف بالقراءة النهمة منذ صغره انه تلقى تعليمه "في جامعة الحياة". 
وخلال الحرب العالمية الثانية تم تجنيد سمبين إلزاميَّاً في "القوات الفرنسية الحرة" وقاتل في افريقيا وأوروبا ضمن وحدة خاصة للرُّماة المَهَرَة نظراً لمهاراته العالية في دقة التصويب الناري، ومعروف انه أبلى بلاء حسناً في العديد من العمليات، لكنه عاد إلى بلاده في 1946 من أجل المشاركة في التحضير لإضراب عمال السكك الحديدية الضخم الذي تم في 1947، وهو أكبر إضراب عمَّالي في تاريخ السنغال (استعاد سمبين أحداث هذا الإضراب لاحقاً في روايته الأشهر "قِطَعُ خشب الإله الصغيرة"). وفي العام التالي -1948- أبحر سمبين إلى فرنسا متخفياً بين بحارة سفينة ومتظاهراً انه واحد منهم لأنه كان ملاحَقاً سياسياً ولأنه أيضاً لم يكن يملك قيمة التذكرة. 
ولمدة السنين العشر اللاحقة اشتغل سمبين عاملاً على رصيف سفن في مرفأ مرسيليا، وهي المدة الأطول في حياته لثباته في مهنة واحدة. وبمجرد وصوله إلى فرنسا انخرط الرجل في نضالات نقابات واتحادات العمال ليصبح خلال فترة قصيرة قائداً عماليَّاً بارزاً، وهما انخراط وقيادة أدَّيا تلقائياً إلى انضمامه للحزب الشيوعي الفرنسي في 1950 الذي تركه في 1960 عندما نالت السنغال استقلالها خاصة لجهة وجود استياءات متراكمة لدى سمبين من قيادة الحزب في ما يخص نظرتها لأفريقيا. وخلال فترة الخمسينيات، وإضافة إلى انهماكه في العمل البدني المضني على رصيف السفن ومنحه بقية وقته للنشاط السياسي، وجد سمبين وقتاً مع ذلك للرسم وكتابة الشعر بالفرنسية. وفي 1956 نشر روايته الأولى "العتَّال الأسود" التي تدور حول معاناة عمال الموانىء الأفارقة في فرنسا بناء على تجربة ذاتية مباشرة، وقد حققت الرواية نجاحاً فورياً جعلت اسم صمين يقفز إلى الواجهة الأدبية.
وفي غمرة هذا النشاط السياسي والإبداعي المذهل على تلك الصُّعد كافة مُنِيَ سمبين بإصابة كبيرة في ظهره أثناء أدائه لوظيفته على رصيف السفن، ما أدى إلى عدم تمكنه من مواصلة العمل اليدوي وتفرغه للكتابة. والحقيقة ان سمبين معروف في الوطن العربي عموماً بأنه المخرج السينمائي الافريقي البديل الأكثر شهرة، إلا انه معروف في إفريقيا والغرب كذلك باعتباره قاصاً وروائياً مهماً بالمقدار نفسه منذ بداية الستينيات، ومعظم أعماله السينمائية هي في الحقيقة اقتباسات لبعض أعماله الروائية (على حد علمي، وأتمنى أن أكون مخطئاً، لم يترجم أي من أعماله الشعرية والقصصية والروائية إلى العربية لغاية الآن). وعلى اثر إصابته البدنية البليغة وتفرغه للكتابة قام سمبين برحلات سياسية وثقافية كثيرة إلى بلدان منها الصين وفيتنام ضمن الآفاق الثورية المتوهجة خلال ذلك الوقت.
لقد كان سمبين شغوفاً دوماً في سباق مع الزمن بإيصال رؤاه وأفكاره إلى الناس البسطاء والعاديين من بني قومه، مهموماً بالأسئلة الجوهرية الملحَّة على افريقيا وعموم العالم الثالث، وذلك خاصة لجهة نزعاته السياسية الثورية الأصيلة والعميقة، وانتمائه لخلفية طبقية وحياتية كادحة، وازدرائه لأية توجهات نخبويَّة في الثقافة والسياسة، لكنه رأى ان نسبة الأميَّة العالية في افريقيا (80% خلال ذلك الوقت) تحول دون أن يوصل ما يريد قوله للناس عبر الأدب، ومن هنا فقد اقتنع ان السينما هي الأداة أكثر ملاءمة لواقع افريقيا الثقافي والاجتماعي. والحقيقة انه يصعب تصور أي مخرج سينمائي آخر في أي مكان من العالم تتألف شريحة واسعة من جمهوره السينمائي في بلاده من الضَّريرين الأميِّين (وهؤلاء يحضرون بكثرة باعتبارهم شخصيات في أعماله السينمائية لا سيما في "خالا") الذين يحرصون على مشاهدة أفلامه من أجل أن "يتعلموا" و"يستمتعوا"!. لقد كان سمبين مُحِقَّاً بالتأكيد عندما صرَّح في 2005: "أستطيع أن أذهب إلى قرية وأعرض فيلمي هناك لأن كل شيء يمكن التعبير عنه سينمائياً ونقله إلى القرية الأفريقية الأكثر نأياً".   
وهكذا فإنه بسبب من خلفياته الفكرية والنضالية اليسارية حصل سمبين في 1962 على بعثة دراسية مكثَّفة من الاتحاد السوفيتي (سابقاً) لدراسة الإخراج والفنون السينمائية في معهد موسكو السينمائي حيث درس على مارك دونوسكويصاحب "ثلاثية غوركي" الشهيرة، ثم اكتسب خبرات عمليَّة بإشراف سيرجي جيراسيموف في استوديو غوركي السينمائي. وفي مرحلتي الدراسة واكتساب الخبرة العملية أثبت سمبين موهبة سينمائية عالية جعلته محط تقدير واحترام أساتذته ومراهناتهم.
استغرقت دراسة سمبين وتَمَهُّنه السينمائيين وقتاً قياسي القِصَر هو عام واحد فقط شدَّ الرحال على اثره عائداً على الفور إلى إفريقيا حيث انخرط في انجاز فيلم وثائقي بعنوان "إمبراطورية سونجهي" (1963) عن هذه الإمبراطورية الأفريقية الغابرة والذي أنجزه سمبين بتمويل من حكومة مالي التي كانت سبَّاقةً إفريقيَّاً بالوعي بدور السينما في المعترك السياسي والثقافي. وفي العام نفسه أنجز سمبين فيلمه "بوروم ساريه" الذي حظي باحتفاء خاص في الأوساط السينمائية بحيث انه فاز بالجائزة الأولى لمهرجان تور السينمائي. وهذا فيلم شبه وثائقي وشبه روائي متأثر إلى حد بعيد بسينما الواقعية الجديدة الإيطالية بحيث ان بعض النقاد قد ذهب إلى أن الفيلم هو النسخة الأفريقية من فيلم فيتوريو دي سيكا الشهير "لص الدراجات الهوائية". وفي هذا الفيلم يتتبع سمبين حياة ومعاناة صاحب عربة خشبية ذات عجلتين من عجلات السيارات يجرُّها حمار ("جاري" كما كنا نقول في عُمان) في صخب وقسوة مدينة دكَّار لمدة يوم كامل. إنه الإنسان اليومي البسيط المسحوق تحت عجلات "الدولة الوطنية المستقلة الحديثة" في أفريقيا ما بعد الكولونيالية. وفي 1964 تجرأ سمبين في فيلمه القصير الثالث على فضح واحدة من الممارسات غير النادرة في المجتمعات الأفريقية التقليدية، ولكن يُعَدُّ الحديث عنها ومناقشتها علناً نوعاً من أنواع "التابو"، ألا وهي ظاهرة زنا المحارم التي تصير فيها الضحيَّة ضحيَّةً مرتين أولاهما في التعرض للجريمة الشنيعة التي ستترك آثارها البغيضة حتى الموت وذلك من أقرب الناس وأكثرهم جدارة بالثقة والاطمئنان، والثانية، وهي لا تقل نكاية، تتمثل في ضرورة التكتم على شخص المجرم المُغتصِب وإلصاق نتائجها بشخص آخر ظُلْمَاً من أجل إنقاذ ما يمكن انقاذه أمام المجتمع المُرائي، وذلك في فيلمه "نايي" (وهذا هو اسم الفتاة التي تحبل بجنين من صلب أبيها في الفيلم). وقد فاز هذا الفيلم بجائزة مهرجان لوكارنو السينمائي.
 
"بنت سوداء":   بلورة الهواجس
وفي 1966 أذهل سمبين عالم السينما البديلة والمستقلة بفيلمه الروائي الطويل التراجيدي الأول "بنت سوداء" (سأكتب المزيد حول الإشكالية اللغوية والبلاغيَّة للعنوان عمَّا قليل). وفي هذا الفيلم يسلط سمبين الضوء على معاناة العمالة الإفريقية المنزلية المهاجرة في فرنسا من خلال تعرضه لقصة حقيقية لانتحار خادمة إفريقية شابة كانت تعمل لدى عائلة فرنسية ثريَّة تقيم في منطقة الريفيرا الفاخرة. صحيح ان هناك ما يمكن نقده تقنيَّاً وغير ذلك في ذلك الفيلم عهدذاك والآن بالنظر إلى انه الفيلم الأول المنتج بإمكانيات مادية متواضعة لمخرج سينمائي درس اللغة الروسية وبها درس السينما في خضم عام واحد فقط.  لكن "بنت سوداء" كشف بوضوح عن حساسية سياسية وثقافية جمالية عالية جعلته يعتبر الإنتاج السينمائي الإفريقي الهام الأول في وثائق تاريخ السينما. ويبدو بقراءة سريعة لهذا الفيلم ان أسلوبه الوثائقي المتقشف متأثر بسينما الموجة الجديدة الفرنسية، التي كانت تحقق أمجادها خلال تلك الفترة، أكثر منه بالسينما الواقعية الاشتراكية السوفيتية التي كانت لا تزال حاضرة بقوة حتى خلال نفس الفترة. ولا شك ان هذا يحسب لسمبين لانحيازه إلى الإبتكاريَّة والمغامرة في العمل الفني على الرغم من أن وازعه السينمائي المحرِّك وازع سياسي في الأساس، فالبطل (أو البطلة) في هذا الفيلم ليس "إيجابيَّاً" على الطريقة الواقعية الإشتراكية، بل تراجيدي. والحقيقة انه حتى في الثاني- أي الوازع السياسي- فقد سجل الفيلم أيضاً بلورة لموقف نقدي صارم لسمبين من الدولة الافريقية المستقلة في العهد ما بعد الكولونيالي والذي وسم بقية مسيرته السياسية والسينمائية، حيث يرى سمبين أن الدولة الافريقية المستقلة ليست إلا قناعاً "وطنياً" للكولونيالية الجديدة يخفي نفس خِسَّة وشرور واستغلال الكولونيالية المباشرة القديمة التي تمارس الآن امتصاص خيرات افريقيا من خلال طبقةٍ نافذةٍ من الوكلاء المحليين. ويجدر بي الآن أن أقول كلمة حول عنوان الفيلم، "بنت سوداء"؛ فهذا العنوان هو الترجمة العربية الشائعة لعنوان الفيلم التي تستند إلى عنوانه الحِيادي أو التوفيقي المعتمَد في النسخة الإنجليزية، أي Black Girl، هذا في الوقت الذي يلعب فيه سمبين على المعرَّف والنَّكرة، والتباس العلاقة بين المضاف والمضاف إليه، والحذف البلاغي في العنوان الفرنسي الأصلي: La Noire de…، أي: "السوداء التي من…" الذي يمكن أن يقرأه المُشاهد بعد مشاهدة الفيلم: "السوداء التي من السنغال" حيث من تلك البلاد الأفريقية جاءت هذه البنت السوداء التي انتحرت في فرنسا. كذلك يمكن أن يُقرأ العنوان على انه "سوداءُ فُلان أو عِلان من الناس" الذي يمكن أن يقرأه المُشاهد بأنه: "السوداء المملوكة من قِبَل العائلة الفرنسية البيضاء التي تعمل في خدمتها". وفي الحالتين فإننا نعرف من هي "السوداء" لكن علينا أن نخمِّن انتماءها الوطني و/أو المهني.  وبذلك فإن المفارقة هنا هي أن "السنغال ما بعد الكولونياليَّة التي تحررت من فرنسا" و"العائلة الفرنسية البيضاء التي تملك السوداء القادمة من السنغال المستقلَّة" تتبادلان دور الاستعباد والاستغلال العنصري والاجتماعي والسياسي على نحوٍ مِرآويٍّ مريرٍ وفاقع، حيث علينا أن نتذكر أن الفيلم قد أُنجز بصورةٍ استشرافيَّة للمستقبل الأفريقي ما بعد الكولونيالي بعد ست سنوات فقط من استقلال السنغال. ويصل موقف سمبين النقدي من الدولة الإفريقية الوطنية المستقلة في الحقبة ما بعد الكولونياليَّة إلى أقاصيه الهجائية، و"التراجيكوميدية"، والساخرة، والمريرة، واللاذعة، والمقذعة في فيلمه "خالا" الذي أنجزه في 1974 ( سأكتب المزيد حول هذا الفيلم لاحقاً في هذه المادة) وقد عرض فيلم "بنت سوداء" في كثير من المهرجانات السينمائية العالمية، كما فاز بجائزة جين فيغو السينمائية المرموقة والجائزة الكبرى لمهرجان دكَّار للفنون الزنجيَّة في 1966 والذي أقيم احتفاء بحركة الزُّنُوجة(Négritude) التي عملت على توكيد قيمة ثقافة السُّود والوعي والافتخار بها والعمل لها، والتي كان مُواطِنُ سمبين، الكاتب والرئيس السنغالي السابق ليوبولد سنجور، أحد مُبَلوِرِيها.
وفي 1968 أنجز سمبين فيلمه الروائي الثاني "الحوالة الماليَّة" المبني على رواية له بنفس العنوان. وفي هذا الفيلم الذي يمكن تصنيفه بأنه من نوع "كوميديا الأخطاء" يسجل سمبين سخريته المباشرة من الأوضاع المأسوية المزرية لدرجة الإضحاك والقهقهة للدولة الإفريقية ما بعد الكولونياليَّة المستقلة وصعود الفئات الاجتماعية الاستغلالية الطفيليَّة فيها. ومما ميَّز هذا الفيلم ان اللغات المستعملة في حواراته افريقية محلية إضافة إلى الفرنسية. والحقيقة ان سمبين قد دأب في كافة أفلامه تقريباً على إبراز دور اللغات واللهجات المحلية باعتبارها رمزاً سياسياً وثقافياً أصيلاً في مواجهة تجليات الثقافة الفرانكوفونيَّة في المجتمع الافريقي ما بعد الكولونيالي. ويصل هذا التوتر اللغوي أقصاه السياسي والإبداعي في فيلمه "خالا" حيث يقوم مسؤول حكومي كبير بالتحدث بالفرنسية حتى وهو في بيته، بينما تقوم ابنته الشابة- التي تدرس في الجامعة بالفرنسية وتذهب الى مقر دراستها وهي مرتدية ثياباً أوروبية وتقود دراجة نارية من النوع الصغير- بالرد على أسئلة وتعليقات أبيها باستخدام لغة الوولوف المحلية، ما يؤدي إلى تأزم علاقتهما العائلية. وقد حاز فيلم "الحوالة المالية" على ذكر خاص في قرار لجنة تحكيم مهرجان البندقية السينمائي في 1968، كما كان مرشحاً للفوز بجائزة أفضل فيلم في مهرجان أتلانتا السينمائي في دورة 1970، وحصل على الجائزة الأولى لمهرجان فيلادلفيا للفيلم الأسود في دورة 1973.
وفي 1970 عاد سمبين إلى الأفلام القصيرة فأنجز فيلماً روائياً مدته 24 دقيقة بعنوان "تاو"، وهذا هو اسم بطل الفيلم الذي أراد من سمبين من خلاله دحض الصورة النمطية الجائرة المستشرية ضد السود في كافة ثقافات العالم تقريباً بما في ذلك بلادنا وثقافتنا، وهي ان السود بـ"طبيعتهم" قومٌ "كسالى" و"لا يحبون العمل" و"اتكاليون" و"لا يتمتعون بقدرات عقلية كبيرة" و"الخال عقله في صيمه"، إلخ، هذا في الوقت الذي قامت فيه الانجازات المادية للحضارات البشرية الكلاسيكية والحديثة على أكتاف السود، بل وجماجمهم أيضاً. وقد حاز هذا الفيلم على جائزة أسمره الذهبي في مهرجان أديس بابا السينمائي في اثيوبيا لنفس العام (أي 1970).
أما فيلم سمبين الروائي الطويل الثالث "إيميتاي" (والمفردة الوولوفيَّة هذي تعني "آلهة الرعد") المنجز في 1971 فلم يخرج عن نطاق اهتمام سمبين بالمواجهة التاريخية غير المتكافئة التي دارت بين الأفارقة والفرنسيين، والتي أدت بالنتيجة إلى الاستعمار الفرنسي لأجزاء شاسعة من القارة. وقد فاز الفيلم بجائزة الدب الذهبي لمهرجان موسكو السينمائي في دورة 1971، وكذلك حصل على الجائزة الأولى لمهرجان طشقند الأفرو-آسيوي في 1972. إلا ان هذا الفيلم جعل السيل يصل الزبى في فرنسا، حيث أدت تراكمات الاستياءات والاحتقانات المخفيَّة تهذيباً ومجاملة والعلنيَّة وقاحةً وصلفاً في مختلف الأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية من سمبين إلى انفجارها ضد هذا الأفريقي الذي ما فتىء "يسيء إلى سمعة بلاد النور والحضارة" في كل فرصة تسنح له. وللأسف الشديد وصل هذا الاستياء وتم التعبير عنه حتى في أوساط "طليعيَّة" و"تقدميَّة" فرنسية نست أو تناست ان سمبين كان يعرض حياته للخطر باعتباره أحد أعضاء وحدة "الرُّماةُ المَهَرَة" من أجل تحرير فرنسا (و"مستعمراتها الإفريقية"!) من النازيين، هذا ناهيك عن عضويته القيادية في الحزب الشيوعي الفرنسي لمدة عشر سنوات.
 
"خالا": عجز الذكورة وعجز الدولة
وفي 1974 أنجز سمبين خالدته السينمائية "خالا" (التي تعني في لغة الوولوف:  لعنة العجز الجنسي المؤقت الناجم عن بصارة سحريَّة لا يمكن إبطال مفعولها إلا عبر بصارة سحرية مضادة يجب أن تكون أقوى من البصارة السحرية التي أدت إلى العجز الجنسي في المقام الأول)، وهم مقتبس من رواية للمخرج بنفس العنوان. حصل هذا الفيلم على الميدالية الفضية في مهرجان "فيجوريا دي فُس" البرتغالي في نفس العام (1974). لا يجدر بي أن أتحدث بصورة عاطفية عن فيلم سمبين المُفضَّل لديَّ، لكني سأزعم أن العشر الدقائق الأولى من "خالا" ستبقى خالدة في ذاكرة السينما إلى الأبد. إنه حدس شخصي فحسب، إذ يصعب تصور ذلك المزج الخلاق في الدقائق العشر تلك بين منتهى الواقعية ومنتهى السوريالية، منتهى التراجيديا ومنتهى الكوميديا، منتهى الجد ومنتهى الهزل، منتهى الفنتازيا ومنتهى ما يسمونه في لغة النظرية السينمائية “verisimilitude” أي: الشيء من حيث كونه قابلاً للإمكانية الحدوثيَّة  في الواقع. حقاً ان المرء لا يدري إن كان ينبغي منه أن يضحك أم يبكي أم يردد المأثور العربي "شر البليَّة ما يُضحك" لدى مشاهدته ما يدور في تلك الدقائق العشر الفاقعة بصورة استثنائية. وفي هذا الفيلم يبلغ سخط سمبين على الدولة الافريقية المستقلة في المرحلة ما بعد الكولونيالية وسخريته اللاذعة منها وهجاءه المرير لها أقصاه، حيث يصاب مسؤول حكومي كبير متعدد الزوجات بالعجز الجنسي في ليلة دخوله على زوجته الشابة الجديدة (الثالثة) الأصغر منه عمراً بكثير. وبالتالي فإن هذا "العجز" يصير مرادفاً رمزياً لعجز الدولة الافريقية المستقلة عن انجاز مهماتها في المرحلة ما بعد الكولونيالية وتنفيذ الوعود التي قطعتها على نفسها لشعبها خلال المرحلة النضال ضد الاستعمار من أجل الظفر بالاستقلال والحرية وتحقيق العدالة والمساواة. ويمتد نقد سمبين الساخر واللاذع في هذا الفيلم ليشمل القيم الاجتماعية والثقافية البطريركيَّة والذكوريَّة.
وفي 1987 أنجز سمبين فيلمه "معسكر ثِيارويْ" الذي يتعرض فيه لقصة تمرد عسكري قام به مئات من الجنود الأفارقة الذين قاتلوا من أجل تحرير فرنسا من النازي في الحرب العالمية الثانية التي خسروا فيها الألوف المؤلفة من زملائهم ومواطِنيهم، فكان جزاءهم حرمانهم من رواتبهم على الرغم من ان عائلاتهم تعيش الجوع، وهكذا تتم إبادتهم. وقد مُنِعَ عرض الفيلم في فرنسا لسنوات طويلة. وفي عام 2000 أنجز سمبين فيلمه "فات كيني" (2000) الذي يذهب فيه إلى استحالة التحرر السياسي والوطني من دون تحرر المرأة في المجتمع الأفريقي ما بعد الكولونيالي. أما في عام 2004 فقد أنجز "مُولادي" (2004) الذي يتعرض فيه ضمن أشياء أخرى، لظاهرة ختان الإناث في أفريقيا، مؤكداً في ذلك ثيمته في الفيلم السابق، ومؤكداً كذلك على موقفه النقدي من ثقافته المحلية على الرغم من اعتزازه المعروف بها.
وفي 1994 قام المفكر السينمائي المالي الأصل مانثيا داياوارا (رئيس قسم الدراسات الأفريقية في جامعة نيويورك حالياً) والكاتب والروائي والمسرحي الكيني الأصل نغوغي وا تينغو (أستاذ بلقب "بروفيسور متميز" للأدب الإنجليزي والمقارن رئيس مركز الكتابة والترجمة في جامعة كاليفورنيا في أرفاين حالياً) بإنجاز فيلم وثائقي عن سمبين عنوانه "سمبين: خَلْقُ السينما الأفريقية". وقد أسهمت أفلام عثمان سمبين في تأسيس وتعزيز تيار "السينما الثالثة" الذي جاء تحدياً ونقيضاً "عالمثالثيَّاً" للسينما الأولى (سينما هوليوود الأمريكية) والسينما الثانية (سينما المؤلِّف الأوروبية)، فها هو على سبيل المثال لا الحصر المفكر السينمائي الأثيوبي تيشوما غابرييل يستند الى أعمال سمبين السينمائية في كتابه التأسيسي "السينما الثالثة في العالم الثالث: جماليات التحرير" الذي يبحث فيه الخصائص الفكرية والسياسية والجمالية للسينما الثالثة. وكنت قد أجريت حواراً منشوراً مع المفكر السينمائي البريطاني/الأمريكي جون داوننغ وضع فيه عثمان سمبين في النقيض المقابل لموقفه من السينما العربية السائدة وذلك في معرض إجابته عن أحد أسئلتي حيث يقول: "الأفلام العربية التي شاهدتُّها متفاوتة جداً، فبعضها متأثر على نحوٍ تَلَبُّسيٍّ بسينما الموجة الجديدة الفرنسية مثلاً، والأخرى بسينما الواقعية الجديدة الإيطالية. ومن خلال مشاهداتي أعتقد بأن الأفلام المغاربيَّة مُحْكَمَةٌ في بنائها السردي أكثر من الأفلام المصريَّة التي تفتقر إلى الانضباط وتعاني من إقحام كثير من العناصر التي لا علاقة لها بالقصة. ولا يعني ذلك ان على الفيلم أن يقتصر على عدد قليل من العناصر، فعلى سبيل المثال ينجز السنغالي عثمان سمبين أفلاماً بطيئة وطويلة ومزدحمة بالأشياء، ولكن من دون مجانيَّة؛ فلكل عنصر غرض معيَّن في الصورة الكُليَّة للفيلم. أما الأفلام المصرية فإنها تخفق في تحقيق ذلك".   
تحضرني مقولة لبودلير يذهب فيها إلى أن "الحداثة هي تغيير الماضي"، أي ان الحداثة ليست القطيعة البتريَّة السِّكِّينيَّة مع الماضي كما يزعم أولئك الذين يحاولون استزراع النباتات الشيطانيَّة، بل الذهاب إليه واستنطاقه. ويبدو من الواضح لي ان سمبين يوافق على رأي بودلير إذ انه، من الناحية الفنيَّة يؤثِِر، على الرغم من حساسيته البصرية العالية، الاستناد إلى تقاليد السرد الشفاهي السحري في الثقافة الافريقية التقليدية (ما هو معروف بـ"الغْرَيُو" griot) وتحويلها وتثويرها سينمائياً في سرديات أفلامه من خلال استعمال تقنيات كالصمت والمزج الصوتي والبصري (كنت قد ذكرت سابقاً أن شريحة من جمهور سمبين السينمائي في السنغال تتكون من العميان الأميين). كما يذهب سمبين إلى تكريس اللقطات الكبيرة والطويلة (الصامتة في الغالب) واللقطات الأفقيَّة (pan) البانورامية البطيئة التي تبوح بالحضور الجليل للأرض والحضور الغامر للمكان (في البال مثلاً استخداماته الاستثنائية لهذه اللقطات في فيلمه "تشيدو")، والاقتصاد البالغ في التقطيع المونتاجي، والابتعاد عن "الفلاشباك"، والاحتفاء باللقطات ذات مستوى العين (eye level shots)، وادِّخار الأسلبة (stylization) لما هو ضروري جداً وجوهري في الفيلم، وذلك في ما يبدو انه ردة فعل سياسية وجمالية واعية ضد رسوخ سينما هوليوود والسينما الأوروبية في نقيض هذه التقنيات.               
يا عثمان سمبين: يزداد العالم تقلصاً، وجحوداً، وتنكراً، ونكوصاً، وتراجعاً عن الأحلام والأفلام القديمة. يزداد العالم وحشة ووحشية، ولاإنسانية برحيلك عن هذه الأرض التي كافحتَ طويلاً ومريراً وبطرق شتى من أجل أن تكون أكثر عدلاً، وحقَّاً، وخيراً، وجمالاً، وحرية. لكننا يا سمبين سنظل نراهن على طائر العنقاء. سنفتقدك كثيراً جداً وطويلاً جداً. وداعاً لك ألفُ ألفُ وداع.       
 
 
* هذه المادة مأخوذة عن صحيفة "القدس العربي"، لندن، التي نشرتها على حلقتين متعاقبتين، الأولى بتاريخ 4 تموز (يوليو) 2007، والثانية بتاريخ 5 تموز (يوليو) 2007.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عبد الله حبيب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول