تُنشر الأخبار, والمقالات, والدراسات المُدرجة في مدونة سحر السينما بمُوافقةٍٍ شفهية,أو خطية مُُسبقة من مؤلفيها


ثيو أنجيلوبولوس: الأسلوب والتقنية

سبتمبر 28th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , أمين صالح

 
إعادة ابتكار السينما

ترجمة وإعداد: أمين صالح

 
أنجيلوبولوس، شاعر السينما، بارع جدا في تكوين المشاهد والصور. لديه تلك العين النافذة جماليا والتي بها يرى المتحرك في الساكن، الغريب والمدهش في اليومي، الخارق في العادي.
هو حداثي في خلق سمات مميزة، أسلوب خاص يمكن تمييزه, أو إدراكه مع كل فيلم جديد له.
إنه يساهم في إعادة ابتكار السينما مع كل فيلم يحققه، ذلك لأنه يرى في السينما وسطا جماليا وثقافيا معا. أفلامه تثير أسئلة سينمائية جوهرية وفعالة، بدءا من هذا السؤال: ما هي الصورة؟ وما الذي تعنيه الصورة أو تقترحه ؟ 
الصورة هي، ببساطة، موجودة هناك تأسر وتثير الاهتمام بحكم وجودها الشخصي. تنفتح على قراءات متعددة، وتثير عددا من الانفعالات. إنه ينسّق ويناغم الشكل والمحتوى ليدعونا، بل وليجبرنا، على الذهاب وراء نطاق الصورة نفسها لتعيين المعنى.   
هو يعالج كل صورة بشفافية واستبصار شعري.. ومثل الشاعر، هو ينتقي صوره بحرص وعناية، لكنه يدعها تعبّر عن نفسها بطريقتها الخاصة.
في أفلامه نجد ذلك التوتر بين الصورة وقوتها الموحية، بين الأساس الواقعي والتأثير الذي يتخطى الواقعية. إن التوتر بين الواقع المادي للصورة والمظهر الروحاني، أو ذلك الذي يتخطى العالم المادي، هو الذي يساعدنا على وصف تأثير صور أنجيلوبولوس على المتفرج سواء في اللقطات المفردة أو في الفيلم ككل.
 
تقنيا، هو يميل إلى استخدام اللقطات العامة، حتى في المواقع الداخلية، حتى في اللحظات التي يفضّل أغلب المخرجين تصويرها في لقطات قريبة (تصوير انفعال ما أو ردّة فعل ما). وقلما يستخدم اللقطات المتوسطة. كما يفضّل تصوير مشاهده في لقطة واحدة مديدة ومستمرة one take قد تستغرق دقائق طويلة، وغالبا مع حركة كاميرا مصاحبة tracking بطيئة ومدروسة بدقة وإحكام.. في حين يفضّل أغلب المخرجين استخدام تنويعة من اللقطات المركّبة برشاقة وسلاسة عن طريق المونتاج.
الصورة المتواصلة، دون انقطاع، تتيح للمتفرج حرية اختبار، أو اكتشاف، واقعية الصورة فيما هي تتجلى تدريجياً في زمن حقيقي، وبالحد الأدنى من حركة الكاميرا.
في زمن السرعة المتزايدة للمونتاج في الأفلام والإعلانات التلفزيونية والفيديو كليب، أفلام أنجيلوبولوس ترغم المتفرج أن يعود إلى درجة الصفر ويرى الصورة المتحركة بأعين جديدة. وكما يقول الناقد وولفرام شوت: إن وسطه الشعري هو الزمن. هذا يتيح للمتفرج أن يخلق صوره الخاصة مما هو معروض على الشاشة، بينما يظل واعيا نقديا للوسائل التقنية التي يوظفها المخرج: اللقطات العامة، اللقطات المديدة، اللقطات المتعاقبة، حركات البان  Pan البطيئة.
 
أعمال أنجيلوبولوس مضادة للسرد المتمركز على الحوار والذي تعتمده التقاليد الأمريكية وغيرها في القص السينمائي. الأفلام التقليدية، حتى تلك التي تعتمد على الحركة (action)، تعوّل كثيرا على الحوار، بينما أفلام أنجيلوبولوس تعتني بالصورة قبل كل شيء.
عندما يلجأ الى الحوار، فإن الحوار لا يفسر شيئا، وبدلا منه يحل الصمت في أغلب الأحيان. إن أنجيلوبولوس يستخدم الصمت، في كل أفلامه، ليأسر اللحظات ذات الكثافة العالية، الحافلة بالغموض أو الفرح أو الحزن أو الرغبة، والتي لا يمكن التعبير عنها باللغة المنطوقة، ويصعب تفسيرها في كلمات. إن جزءا مما يوحيه، من خلال مثل هذه المشاهد، هو أن الكلام يمكن أن يأخذنا بعيدا، بالتالي فنحن أمام لغة غير شفهية تتمثل في الأصوات والموسيقى، الإيماءات، التحديقات.. إنها اللغة البصرية.  
هو يفضّل المشهد الصامت على الحافل بالحوار، فالحوارات في أفلامه قليلة، شخصياته غالبا ما تكون ساكنة، والقصة التي يقدمها هي مختزلة ولا تتيح للمتفرج أن يدخل في الشخصية بالمعنى السيكولوجي كما الحال مع معظم الأفلام الدرامية التي تحاكي الاهتمامات الأرسطووية بشأن الدافع والصراع وحل العقدة.
الانحياز إلى السكون والثبات في أفلامه هو دعوة لاختبار واكتشاف الأشياء، وتأمل ما يقدمه من صور بطريقة جديدة وبرؤية مغايرة. سينماه هي سينما الفضاءات المفتوحة، سينما الإيماءات والتلميحات، سينما الواقع الكائن داخل وخارج الشاشة معا.
بصريا، يعتمد أنجيلوبولوس على تلك البلاغة المتحفظة، المتوانية، لكن المغوية.. والتي تقوم على حركات كاميرا مركبّة لكن رشيقة وسلسة، وعلى تكوينات نقية وجميلة، وعلى لوحات طقسية، ولقطات مديدة آسرة تعطل الاحساس بالزمن وتعمل على تمديد اللحظة، مستدعية بذلك حالة من التأمل. إن محاولته المقصودة في تمديد اللقطة وتركها دون إعاقة أو مقاطعة، دون قطع، تعني أنه يطلب من الجمهور ليس فقط متابعة ما يحدث بانتباه، بل أيضا أن يكون مدركا لعملية تجلي أو تفتّح اللحظة كما تحدث في الزمن والمكان.
عبر التركيز الكلّي على الصورة المديدة، والاستجابة إلى الموسيقى القوية، المتناغمة مع الصورة المعروضة، يشعر المتفرج بمتعة بالغة تمنحها له اللقطة نفسها، والتي تتيح له أن يحدّق ليس داخل الصورة فحسب بل من خلالها أيضاً.
في ضم اللقطات المتواصلة، المديدة، مع زمن غير كرونولوجي (غير متسلسل) هو يرغم المتفرج على أن يكون مشغولا على نحو فعال في عملية قراءة الصور التي تتدفق أمامه نظرا لأهميتها السردية ودلالتها التاريخية.
كما تقومبلاغته البصريةعلى التناغم الأخاذ بين الصور والموسيقى، مع رؤية بانورامية يتداخل فيها الزمن والمكان والسرد والذاكرة والواقع الشخصي والتاريخ.
أفلامه في الغالب مغمورة بإضاءة متلألئة، فا

المزيد


من يشاهد أفلام أنجيلوبولوس؟

يوليو 24th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , أمين صالح

ترجمة وإعداد: أمين صالح
 
المخرج اليوناني ثيو أنجيلوبولوس يقدّم نوعا من السينما قد تثير إعجاب البعض (وهم يشكلون القلة من الجمهور) المؤهل لاستيعاب ما يطرحه، والافتتان بصوره المغايرة للصور السائدة في السينما العالمية، وقد تثير ضيق وانزعاج وضجر البعض (وهم يشكلون الغالبية) الذين يجدون صعوبة في هضم هذا النوع.
هو لا يسعى إلى صنع أفلام تحقّق إيرادات عالية، لذلك يرفض تقديم أي تنازل على حساب فنه. هذا الإصرار على النظر إلى الفيلم كشكل فني، ورفضه للمفهوم الغالب الذي يرى إلى الفيلم بوصفه حقلا ترفيهيا، أدى إلى محدودية توزيع أفلامه في أسواق يهيمن عليها النتاج أو الاتجاه التجاري.
لم يجد أنجيلوبولوس في بلده، اليونان، الحفاوة التي تضاهي تلك التي يتمتع بها خارج البلاد، في أوروبا بالتحديد.. إذ غالبا ما يجابه باللامبالاة والمعارضة.. وهو يعلّق مبتسما: أعيش وضعا غريبا في اليونان.. لدي أنصار متعصبون وأعداء متعصبون.
ذلك لأنه يكشف الزوايا الأكثر إعتاما من التجربة اليونانية، وأيضا بسبب صعوبة أفلامه، وتحطيمها لكل ما هو مألوف ومعتاد في السينما، وخلوها من عناصر الترفيه والتسلية التي يطلبها الجمهور. أفلامه تستدعي تركيزا مكثفا ومرهقا.
أفلامه تندرج ضمن سينما التأمل. إن محاولته المدروسة للتحليق بعيدا عن الشكل والسرد التقليديين، ترغم المتفرج على انتحال دور المشارك في التأليف، والمشارك في رحلة الشخصيات على حد سواء، إذ يتعين عليه أن يتأمل الصور أو الأحداث التي تتجلى على الشاشة، بالتالي يتوجب عليه أن يتوسط بين مستويات الواقع والعرض، وهذه المستويات ليست مغلقة ولا منظمة كليا.
السينما السائدة مبنية على الأحداث، على الأكشن، بينما في أفلام أنجيلوبولوس لا يحدث إلا القليل. ونحن، كمتفرجين، نبدأ في اختبار موضوعات وقضايا وشخوص وقصص من منظور مختلف وجديد. إنه يأمل في خلق نوع جديد من الجمهور، لا ذاك المستهلك الذي يعتمد على انفعالاته وعواطفه فقط.
في أفلامه، الحالات الخفية، الأشياء التي لا يقولها ولا يعبّر عنها، تمتلك الأهمية ذاتها كما الحالات الظاهرة والأشياء التي يقولها أو يعبّر عنها. ثمة دائما أشياء لا يجدها المتفرج على الشاشة لكن يتعيّن عليه أن يكتشفها، أن يملأ الفراغات وفق هواه، وأن يضيف إلى الصورة التفاصيل الضرورية. وهو بذلك يسعى إلى جعل المتفرج مساهما في الخلق.
لكن هل الجمهور العريض يفهم حقاً لغة المخرج السينمائية والعناصر البصرية التي يوظفها؟ هل السينما – التي تكلّف الكثير من المال وتحتاج أن تكون مرئية من قبل العدد الأكبر من الناس - هي الوسط الأفضل لأولئك المخرجين الذين لا يلبون ما يطلبه الجمهور، والذين يريدون جمهورا خاصا، نوعيا، مثقفا؟
                               * * * *
يقول أنجيلوبولوس:
* غالبا ما يشاهد الجمهور فيلماً ويجدون ضرورة لفهم كل ما يقال بدقة، وشرح كل شيء لهم. شخصياً، أنا مع الفيلم الذي يحتفظ بمقدار معيّن من السريّة ولا يفشي سرّه بسهولة.
* للإيحاء قوة طاغية.. بعدم إظهار الحدث بل الإيحاء به فإنك تساهم بفعالية في تحرير مخيلة المتفرج، بحيث يكون بإمكانه أن يخلق لنفسه صورةً داخل الصورة المعروضة. عندما يضيف المتفرج مخيلته إلى مخيلة المخرج فإن حضوره يكون ديناميكياً وليس سلبياً.
* الفراغات بين اللقطات أو المشاهد تمنح المتفرج خيارا هائلا لأن يصبح شريك المخرج في العملية الإبداعية. هذا يعتمد على المتفرج وإلى أي حد هو راغب في المشاركة الفعالة في الفعل الإبداعي أثناء مشاهدته لفيلمي. الفيلم يزوّده بمقدار معيّن من المعلومات، وعندما يقوم المتفرج بنفسه بإكمال الفيلم، من خلال طاقته الخاصة، عندئذ يقدر هو أن يستمتع بالفيلم.
* في نوعية الأفلام التي أحققها، والتي هي دوماً عبارة عن بحث لغوي، أنت تصل إلى موضع حيث اللغة تصبح هي المضمون. محتمل أن يتمكن المتفرج من متابعة ذلك بصعوبة. إ

المزيد


التاريخ والأسطورة في سينما أنجيلوبولوس

يوليو 16th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , أمين صالح

 
 
إعداد: أمين صالح
 
(الأسطورة عندما تترجم إلى واقع تصبح تاريخا)
هيجل

المخرج اليوناني ثيو أنجيلوبولوس يعي بأن اليونان الحديثة محاطة بأجزاء وقطع وأصداء من الماضي. لكن ما الذي يمكن فعله معها؟ أي دلالة يمكن منحها لها؟ مثل هذا السؤال لا ينشأ في واقع اليقظة، لكن في الحلم. ونتيجة ميتا الواقع (ما وراء الواقع) نجد اتحاد الماضي ووعي الحاضر، وسيكون من الصعب فصلهما.
في اليونان، هناك الكثير الذي يذكّر الناس بالماضي، من نواح عديدة، بحيث يتعيّن على كل فرد أن يعقد الصلح مع كيفية التفاعل مع ذلك الماضي في الحاضر، وفي تخطيط المستقبل. وليس هناك أي طريقة موحّدة لرؤية أو استخدام هذا الماضي.
طوال مسيرته كان أنجيلوبولوس مفتونا كليا بالتاريخ. وبما أن كل أفلامه حققها في اليونان، فإن التاريخ المصور في أفلامه هو التاريخ اليوناني. لكن في الأحداث الحقيقية – الاحتلال الألماني لليونان في فيلمه الممثلون الجوالون، على سبيل المثال - هو يتفادى أي تصوير بسيط أو تقليدي للتاريخ، ذلك لأن سينما أنجيلوبولوس تفضي بنا إلى استجواب ما يكونه التاريخ نفسه، وما يعنيه أن تكون يونانيا، ووضع الفرد في كلا الحالتين.
في حين يلتحم التاريخ والأسطورة الإغريقية بطرق غالبا ما تكون مفاجئة وحاذقة في هذه الأفلام، فإن أنجيلوبولوس لا يضفي على علاقاتها مع، أو تأثيراتها على، المصائر الفردية المصورة معان تبسيطية أو اختزالية.
إنه يدمج المستويات الميثولوجية والثقافية، وحتى الروحية، للتجربة اليونانية مستنطقاً التاريخ والزمن خارج التخوم المألوفة للمفاهيم السردية والتقليدية لما هو تاريخي.
التاريخ والأسطورة الإغريقية هما حضور للأفراد الذين نتابعهم، لكن هذا الحضور يشير إلى غياب الصلة، القوة، الاستمرارية الثقافية/ التاريخية.. ذلك لأن اليونان – حسب الناقد فاسيليس رافاليديس – هي أشبه بدائرة ذات نقاط تقاطع عديدة لكن بدون مركز.
أفلام أنجيلوبولوس هي تأمل في التاريخ اليوناني في القرن العشرين. في ثلاثيته: أيام 36، الممثلون الجوالون، الصيادون.. هو تناول التاريخ اليوناني من 1936 إلى أوائل السبعينيات. في فيلمه الإسكندر ركّز على الثقافة والتاريخ اليونانيين منذ فجر القرن العشرين.
فيلم الممثلون الجوالون لا يُظهر تجريب أنجيلوبولوس مع اللغة السينمائية فحسب، بل يتميّز أيضا باهتمامه العميق بالتاريخ عموما، وتاريخ اليونان خصوصا، كما يُرى من خلال مصائر الأفراد. التاريخ نفسه يصبح شخصية رئيسية بالنسبة لأنجيلوبولوس. في الواقع، نحن لا نجد إلا قلة من المخرجين المشغولين والمهتمين إلى حد الاستغراق بالتاريخ، المنظور إليه من زوايا متعددة ومتنوعة.
أفلام أنجيلوبولوس ليست تاريخية في ذاتها، إنما هي تأملات في التاريخ. في الواقع، هي ليست مجرد تأملات فقط، بل أنها أفعال تحرر استكشافية معنية بأحداث تاريخية وراء ما كان في السابق مسلّما به كتاريخ يوناني.
بفيلمه الممثلون الجوالون، على سبيل المثال، قدّم المعالجة السينمائية الأولى للحرب الأهلية اليونانية (1944- 1950) من وجهة نظر اليسار. بهذا المعنى، أنجيلوبولوس ليس مهتما فقط بالتاريخ المعترف به، لكن بالأحداث التاريخية المسكوت عنها، والتي ينبغي أن تصبح، عبر السينما، جزءا من الوعي الثقافي. حين يستحضر على الشاشة التاريخ المنسي فإنه يرغمنا على إعادة النظر

المزيد


المكان، الموقع، الطبيعة..في سينما أنجيلوبولوس

يونيو 24th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , أمين صالح

 
إعداد وترجمة
أمين صالح
 
 
الموقع، من منظور المخرج اليوناني ثيو أنجيلوبولوس، يساعد في استحضار الرحلة الداخلية، الإحساس بالقصة التي لا الأستوديو ولا الموقع البديل قادر على استدعائه. لذلك هو يفضّل التصوير في المواقع الخارجية، الحقيقية، ولا يحب العمل في الأستوديو.
من فيلمه الأول كان تحقيق الأفلام بالنسبة له بمثابة رحلة اكتشاف لـ اليونان الأخرى، اليونان التي لم يعرفها ولم يزرها من قبل. فراح يزور ويستكشف أغلب قرى وبلدات اليونان.
هو مسكون بماضي القرية اليونانية وحاضرها ومستقبلها المحتمل، وإذا علمنا بأن نصف سكان اليونان تقريبا يقطنون في مدينة واحدة هي العاصمة أثينا، فمن الممكن النظر الى اليونان باعتبارها بلدين مختلفين. أثينا في جهة، والمدن والقرى الأخرى في جهة ثانية. ومن المهم الإدراك بأن الفجوة بينهما كبيرة وتتسع مع كل عام، مع كل اختراق تكنولوجي، مع كل ما يظهر في الأفق من خلل أو مشكلة مدينية معاصرة: التلوث، الجريمة.. وما شابه.
هكذا أدار أنجيلوبولوس ظهره، بوعي، إلى المدينة (التي ولد فيها) والثقافة (التي تربّى عليها). ونظرا لأنه ليس من الشمال ولا من القرية، فإنه بهذا المعنى يكون دائماً ذلك اللا منتمي، الغريب، الأجنبي داخل بلده، الباحث عما لا يستطيع أن يجده في أثينا أو في الثقافة التي كان يعرفها.
لقد اهتم باليونان الأخرى، المهمَلة، المكبوحة، المنبوذة، المحجبة. إنها اليونان ذات المساحات الريفية الواسعة، فترات الصمت الطويلة، الأصداء الأسطورية، الروابط المفتقدة، المناظر الطبيعية الشتوية، يونان الهائمين، الجوالين، اللاجئين، الممثلين بلا خشبة مسرح ولا جمهور، طرق النقل السريع الوحيدة في الليل، القرى المحرومة من سكانها، المقاهي الرخيصة، غرف الفندق المتصدّع.. وليست يونان الملصقات السياحية أو المواقع الأثرية أو الأنماط الرومانسية.
لليونان حضور فيزيائي على شاشة أنجيلوبولوس. هناك الأحجار، الشوارع، الطرقات، الجدران، السطوح، السماوات، الأمطار، الضباب. هناك الشمال، الريف، القرى المهجورة. هناك غرف الفنادق الداكنة والساحات الخالية.. وقلة من المخرجين قادرون على نقل هذا الإحساس بالمكان كما يفعل هو.
في القرى المعزولة، النائية، المهمَلة والمنسية، يصور أفلامه.. على الرغم من صعوبة التصوير هناك. إنه يصور في الفجر أو في الغسق، وغالبا في الشتاء حيث كل شيء مغمور بالضباب، المطر، الثلج.. وهو لا يفعل ما يفعله المخرجون الآخرون عندما يلجأؤن إلى المونتاج في لصق لقطات لجزيرة هنا، وطريق سريع في مكان آخر، ومواقع أخرى بحيث تبدو اللقطات المتعاقبة كما لو أنها حادثة في موقع معيّن. هو يختار المواقع الحقيقية لأنه يريد، في المقام الأول، اكتشاف المكان. الموقع يصبح شريكا مساوياً للقصة والشخصيات.
قبل تصوير فيلمه الممثلون الجوالون، أمضى شهورا وهو يبحث عن المواقع النائية التي ظلت كما هي دون أي تغيير، والتي يمكن أن تتلاءم مع المراحل التاريخية المتعددة التي يقتضيها الفيلم. لقد زار تقريبا كل قرية وبلدة في اليونان، والتقط أكثر من ألفي صورة فوتوغرافية، ثم قام برحلتين حول اليونان مع مصوره السينمائي أرفانيتيس.
إن حس أنجيلوبولوس بالتاريخ يتضمن الرغبة العارمة في إعطاء مصداقية للموقع الذي يصوّر فيه المشهد، لقد أصرّ على تصوير أغلب مشاهد فيلمه الإسكندر الأكبر في الشتاء، في قرية نائية، وقد استغرق بحثه عن هذه القرية عاماً كاملا.
إذا كانت هوليوود تجترح المعجزات في محاولة إقناعنا بمصداقية المواقع، حيث تحوّل سهول

المزيد


مياه.. و حياة يُساء تأويلها

يونيو 2nd, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , أمين صالح

أمين صالح 
   
 
وُفق إحدى القراءات أو التفسيرات البطريركية (الأبوية) للتعاليم الهندوسية القديمة، خصوصا تعاليم مانو    Manuالموضوعة قبل ألفي سنة تقريبا: عند وفاة الزوج، تجد أرملته نفسها أمام ثلاثة خيارات.. إما أن تتزوج شقيق زوجها الأصغر، أو تحرق نفسها حية على المحرقة نفسها مع جثة زوجها، أو أن تعيش بقية حياتها في عزلة، في انضباط، في حالة من إنكار الذات، منفية عن الحياة، منبوذة من المجتمع، محرومة من أية حياة عائلية، لا تعاشر غير الأرامل، وأن تظل أرملة حتى تموت.
من هذه التعاليم يستمد فيلم مياه أو الماء Water مادته، التي تدور أحداثها في منطقة أشرام، أو دار الأرامل، بالهند في العام 1938.. في الفترة التي شهدت عودة غاندي من جنوب أفريقيا ونضاله من أجل الاستقلال، تحرير الإنسان الهندي من القوانين والقيم التي تكبل حريته وإنسانيته، محاولة تحسين الشروط والأوضاع التي تعيشها الأرامل.
إلى هذا المكان الآيل للسقوط، الذي يحاذي نهر الجانجا المقدس، والذي تديره أرملة عجوز مستبدة، تأتي سارالا: أرملة عذراء في الثامنة من عمرها، مات زوجها المفترض، المستقبلي، الذي لم تره قط (إذ محرّم على الصغيرات رؤية زوج المستقبل حتى يبلغن سناً معينة) فوجدت نفسها – دون أن تعي الأسباب وتستوعب حقيقة ما يجري لها - منفصلة قسرياً عن عائلتها، مبعدة أو منفية إلى مكان غريب ومعزول، على حافة المجتمع، فيه تتحرك وتعيش الأرامل في خنوع وإذعان، ممتثلات لتعاليم جائرة تسلب منهن لا ذواتهن فحسب بل وجودهن. مقتنعات بأنهن غير جديرات بالعيش في المجتمع في غياب الزوج. مؤمنات بأن ما يحدث لهن هو امتحان من الإله كريشنا.. فوفق ما يمليه الكتاب المقدس، ينبغي على الأرملة أن تعيش مثل زهرة اللوتس الجميلة التي لا تمسها المياه الملوثة المحيطة بها.
لقد قررت التعاليم الدينية أن الأرملة فأل سييء ينبغي تجنبه ونبذه، وأن موت زوجها (الطبيعي والمقدّر) غلطة أو إثم عليها وحدها أن تتحمله وتدفع ثمنه، بالتالي لابد أن تعيش معزولة، أن تحلق شعر رأسها، وتنأى بنفسها عن الطعام الحار والحلويات..   لذا عليها أن تناضل وحدها من أجل البقاء على قيد الحياة عبر التسول أو ممارسة البغاء بوسائل سرية.
في هذا المكان تعيش سارالا أيامها في فقر وبساطة وزهد، محرومة من أي اتصال عائلي، ومن كل المتع الدنيوية.. معتقدة طوال الوقت بأن إقامتها هنا مؤقتة، وأن عائلتها حتما سوف تأتي يوما لتأخذها.
إنها، بما تتمتع به من روح متمردة، مرحة، طليقة لا تعرف الاستقرار، تستجوب ليس فقط احتجازها غير المفهوم في هذا المكان، بل أيضا منطق الأرامل اللواتي يصادرن حقها في السؤال والارتياب. 
الأطفال، كما تقول المخرجة ديبا مهتا، يعلموننا لأن لديهم فضول الروح الذي لم تفسده ولم تلوثه الأحكام التي نصدرها ضد الآخرين. نحن البالغون نزداد إنهاكا كلما كبرنا، نزداد انحيازا لآرائنا وأحكامنا السبقية. الأطفال، على العكس منا، لا يتعصبون ولا يحكمون مسبقا على الآخرين.
من خلال عينيها البريئتين، الساذجتين، المفعمتين بالدهشة والحزن، نرى هذا العالم الغريب، الوحشي، الذي ينعدم فيه الدفء الإنساني والتواصل الحميم (هذا العالم الذي تصوره كاميرا ديبا مهتا    Deepa Mehta بشاعرية وحساسية تخفف من الحس الميلودرامي الطاغي بالضرورة في وضع كهذا).
من خلال الصغيرة أيضا نتعرف على الشخصيات الأخرى التي تتفاعل مع ما تشع به الصغيرة في أرجاء المكان، وتتأثر بالطريقة التي بها تنظر إلى المحيط والعالم : شاكونتولا (سيما بيسواس)، ذات الشخصية القوية والمتعاطفة مع الأخريات، تتخلى تدريجيا عن خنوعها وتبدأ في الارتياب بالتعاليم الهندوسية التي تمارس الظلم والاضطهاد بحق الأرامل. إنها تتساءل، مثلما من المفترض أن يتساءل أي امرئ إزاء أية قضية خلافية ذات طابع عقائدي: كيف يمكن لتفسيرات أو تأويلات أو اجتهادات من وضع البشر لقوانين أو تعاليم دينية، سماوية، مقدسة، أن تصبح (هذه التفسيرات) بدورها مقدسة ولا يرقى إليها الشك؟  
كالياني (ليزا راي) الجميلة التي تجبرها المشرفة على الدار على ممارسة الدعارة، لحماية الدار من السقوط في فقر مدقع، وهذا وحده سبب احتفاظها بشعرها الطويل: كي تكون مرغوبة. في الأخير تتجاهل المحظورات والمحرمات لتقع في حب شاب وطني، محام مثالي، من أتباع غاندي. كعقاب وقائي تقوم المشرفة مع أخريات باقتحام غرفتها وحلق شعرها كله مدنسين بذلك جمالها وجاذبيتها.
عن هذا الفعل الوحشي تقول المخرجة: أردت من هذا أن يكون تعبيرا بصريا قويا وفعالا، لأن هذا ما يحدث في الواقع. بنفسي شاهدت نسوة تتعرّض شعورهن للحلق، ثلاث منهن في المدينة المقدسة فاراناسي. كان منظرا فاجعا يسحق القلب. إنه عرض بصري، أسرع طريقة، وأكثرها اقتصادا، لإظهار ما يحدث، سواء أكانت الأرملة طفلة أو امرأة أو عجوزا، عندما تتحول هذه المرأة جسمانيا من كونها جزءا من المجتمع لتصبح دخيلة وغير منتمية.    
الشاب الوطني يريد أن يتزوجها رغم معارضة أمه. عندما تكتشف كالياني أنه ابن رجل ثري، سياسي مزدوج المواقف والآراء، كانت تؤخذ إليه كعاهرة، فإنها لا تحتمل العيش مع هذا الأب تحت سقف واحد، لذا تختار أن تنتحر للخلاص من مأساتها.
مثل تلك الدور المخصصة للأرامل لم تعد منتشرة في الهند المعاصرة، لكن وفقا لما تؤكده المخرجة، هي موجودة.. والتعاليم ذاتها لا تزال تعاني منها الأرامل (حسب الإحصاء الرسمي للسكان في العام 2001 توجد في الهند 33 مليون أرملة، الكثير منهن يعشن في مناطق ريفية لا تزال الأرملة فيها منبوذة)
لقد استطاعت المرأة الهندية عبر نضالاتها الطويلة والشجاعة أن تحقق إنجازات هامة، من بينها تحقيق استقلالية الأرملة وحقها في اختيار مصيرها.. تقول ديبا مهتا: بعض الأرامل أدركن، ببطء، أن هناك عالما مختلفا في الخارج من حقهن أن يعشن فيه، وأنهن سوف لن يخالفن القيم الدينية الحقيقية لو تحركن خارج الدور المفروض عليهن، إذ لا علاقة للدين بما يحدث لهن. إن سوء التفسير للتعاليم الدينية هو الذي أ

المزيد


الرحلة.. في أفلام أنجيلوبولوس

مايو 25th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , أمين صالح

 
أمين صالح
 

الرحلة والحاجة إلى وطن – شخصي، سياسي، جمالي، تاريخي، جغرافي – ثيمة تحتل موقعا مركزيا في كل أفلام أنجيلوبولوس. إنه يبني أغلب أفلامه كرحلات فيزيائية وروحية في آن، جغرافية وزمنية في آن. الرحلة تأخذ شكل السفر الداخلي، الباطني. أو أن الشخصيات ترحل بحثا عن إحساس بالغاية أو المستقبل.   
في بعض أفلامه، الرحلة تتجلى في العنوان: الممثلون الجوالون، رحلة إلى كيثيرا (وهي الجزيرة التي لا يمكن بلوغها أبدا).
في الممثلون الجوالون يقوم الممثلون برحلة تشكّل بحثا عن هوية وطنية، إضافة إلى البحث الشخصي عن الهوية والقيم في اليونان المعاصرة.
في رحلة إلى كيثيرا يعود الشيوعي العجوز، سبايروس، من منفاه في الاتحاد السوفيتي فلا يجد وطنا. كذلك المدرّس المتقاعد، سبايروس، في مربّي النحل يحاول أن يعود إلى بيته الذي يصير أشبه بـ إيثاكا بالمعنى الهوميروسي.
منظر في السديم أيضا يتخذ ثيمة الأوديسة حيث الرحلة من وجهة نظر كائنين صغيرين يبحثان عن أب لم يرياه ولم يعرفاه قط، ومن المحتمل أنه غير موجود.
في تحديقة يوليسيس يقوم ثيو بعبور الحدود، واقعيا ومجازيا، ليرتاد بقية أمم البلقان، رابطا هذا برحلة البطل الخاصة. في أحد مشاهد الفيلم يقول البطل: اعتدت أن أحلم بأن هذا سيكون نهاية الرحلة، لكن أليس هذا غريبا؟ أليس هكذا تبدو الأمور دوما؟ في نهايتي تكون بدايتي. وفي موضع آخر يقول: هذه رحلتي الذاتية. وفي موضع آخر يقول له صديق قديم، وهو مراسل حربي: عندما خلق الله العالم، فإن أول ما خلق هو الأسفار. والبطل يكمل: ثم جاء الشك والحنين إلى الوطن.
للرحلة امتداد في الميثولوجيا اليونانية: لنأخذ حكاية أجاممنون ويوليسيس، كلاهما يعود من الحرب باحثاً عن الوطن، عن البيت. الأول يعود من طروادة ليلقي مصرعه على يد زوجته، والثاني يقوم برحلة تدوم سنوات.
لكن الرحلة في أفلام أنجيلوبولوس لا تنتهي نهاية سعيدة. الشخصيات إما أن تظل في حالة تجوال دائم (الممثلون الجوالون) أو لا تصل أبدا الى المكان الذي تريده (رحلة الى كيثيرا) أو أنها تعود لكنها تجد نفسها منبوذة ومرغمة على العودة الى المنفى (رحلة الى كيثيرا) أو تواجه الموت (مربّي النحل).
كل سفر هو بحث.. بحث شائك محفوف بالوجع: بحث عن الوطن، عن البيت، عن الأب، عن الهوية.
 
                               
يقول أنجيلوبولوس:
* أبطال أفلامي الأخيرة هم من المنفيين، إما بالمعنى الحقيقي أو الوجودي للمنفى الداخلي. الوطن، بالنسبة لي، هو المكان الذي نشعر فيه بالتوازن داخل أنفسنا، والوئام بين ذواتنا والعالم. الإحساس بأننا وجدنا أخيرا مكانا نكون فيه مطمئنين ومتحررين من القلق.. ذلك هو ما تبحث عنه الشخصيات في أفلامي الأخيرة.
* عادة، في أفلام الطريق، تلك التي تدور أحداثها في ال

المزيد


قراءة في السينما الهندية

مايو 18th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , أمين صالح

أمين صالح 
 
مزيج من التوابل
بعد مشاهدته لأحد الأفلام الهندية، في صالة سينما بإحدى المدن الهندية، أبدى المخرج الأسترالي باز لوهرمان – مخرج الفيلم الشهير مولان روج- دهشته وانذهاله من الطريقة التي يستقبل ويتفاعل بها الجمهور الهندي مع الفيلم المعروض على الشاشة، واعتبرها تجربة فريدة واستثنائية، أتاحت له فرصة اختبار فهم جديد ومختلف للعلاقة بين المتفرج والفيلم.
إذا كان المتفرج الأوروبي، مثلا، يفضـّل مشاهدة الفيلم في صالة ساكنة تماما، في صمت مطبق، دونما أي إلهاء من أي نوع، وفي خشوع وتبجيل.. كأنه في كاتدرائية، فإن المتفرج الهندي يذهب إلى السينما كما لو يذهب إلى نزهة. وهو لا يعبّر عن تقديره واحترامه للفيلم بالتزام الصمت، كما يفعل زميله الأوروبي، بل عبر الضجيج والتفاعل الحر، الفوضوي.
الجمهور الهندي في الصالة يأخذ حريته المطلقة في تبادل الأحاديث الصاخبة، في الرد على المكالمات الهاتفية عبر الموبايل، في الرقص والغناء الفردي أو الجماعي مع الأغنية المعروضة على الشاشة، في الخروج من الصالة لتدخين سيجارة.. إنها أمسية مخصصة للترفيه البحت، والفيلم في بؤرة الاهتمام لكن ليس إلى حد الاستحواذ.
غالبا ما يطلق على الأفلام الهندية صفة أفلام masala (أي ذلك المزيج من التوابل): وضع كل شيء في طبق واحد، حالة متجذرة بعمق في الروح الهندية.. نجد انعكاس ذلك في الوجبة الهندية حيث تقدم مختلف أنواع الأطعمة والتوابل والبهارات في طاسات على صحن واحد. مثلما نجده في المسرح الكلاسيكي الهندي الذي يستلزم: الحدث الدرامي، الأغنية، الرقص، الصراع، والنهاية السعيدة.. وكل هذا منطلق من نظرية الراسا rasa (الجوهر/العاطفة) أو (الماهية/الإحساس)، هذه النظرية التي تسعى إلى الشعور المفعم بالبهجة، الذي يشعره المتفرج حين تكون صراعاته محلولة، ويحس بالتناغم والانسجام مع نفسه ومع الطبيعة.
 
ذهاب إلى الفنتازي
طوال ساعات ثلاث أو أكثر، حافلة بمزيج من الميلودراما الصارخة والرومانسية الحالمة والاستعراضات الغنائية الراقصة والفكاهة والإثارة والمعارك والمطاردات (تبلغ ذروتها مع نهاية سعيدة ينتصر فيها الخير والسعادة على كل المحن والكوارث والشرور التي طالت الشخوص الطيبة) تصور الأفلام الهندية واقعاً مختلفا بشكل جذري عن الواقع الذي يعيشه المتفرج، المواطن الهندي خصوصا. إنها تصور عالما سحرياً، شبيهاً بالحكايات الخرافية، يستمد مكوناته وعناصره من الواقع والميثولوجيا في آن واحد.
المنطق مفتقد كليا. القوانين الفيزيائية تتعرض للنقض أو التجاوز على أكثر من صعيد. الحياة اليومية محرّفة أو محجوبة تحت سطح مصقول يعرض الوجه المتخيل.. الجميل والفاتن. الزمن والمكان يحملان خاصية حلمية وارتباطهما بالحدث أو بالشخصية ارتباط عفوي إن لم يكن عشوائيا. لا حدود بين العقلاني واللا عقلاني، الممكن والمستحيل، فهما يتجاوران ويتصلان ببساطة كلما استدعت الحبكة ذلك. العلاقات مفتعلة وغير مبرّرة، تحكمها الصدفة لا الضرورة الدرامية.
الشاشة المستطيلة، البرّاقة، تصبح فضاءً مأهولاً بكائنات بشرية في مظهرها الخارجي لكنها لا تنتسب إلى البشر الذين نصادفهم في حياتنا اليومية. إنها أشبه بمخلوقات كوكب آخر تنتحل أحزاننا وأفراحنا، آلامنا ومباهجنا، لكنها غريبة عنا، أجنبية ودخيلة.
من هذا الفضاء (الشاشة) تخرج الأشكال والمناظر والصور لتخلب لبّ المتفرج وتأسر عينيه، لتمارس عليه فعل التنويم المغناطيسي، ولتمنحه مادة خصبة لأحلام يقظته.
تقنية هذه الأفلام غالباً ما تفتقر إلى الصقل - رغم المهارات العالية في التصوير - وفق رؤية فنية متماسكة. الكاميرا استعراضية أكثر من كونها أداة للتعبير. الأسلوب مبسط وتقليدي للغاية. الحبكات متماثلة ومشحونة بالكليشيهات. التفاصيل الصغيرة مهملة ومن السهل اكتشاف الأخطاء أو الشوائب الفنية. الشخصيات نمطية. الأحداث يمكن التنبؤ بها بسهولة.
إذا علمنا أن الأفلام المنتجة سنوياً، والموزعة على 39 لغة ولهجة، لا تقل عن    1000 فيلم ( في العام 2005 بلغ الإنتاج 1041 فيلما) وهو يشكّل أعلى معدّل إنتاج في السينما العالمية، فسوف ندرك مدى السرعة والفبركة في تنفيذ الأفلام، والنظرة التجارية البحتة التي تحكم عملية الإنتاج باعتبار الفيلم سلعة استهلاكية.
 
الحالم والواقع البديل
في بلاد يعيش أغلب سكانها في حالة فقر وبؤس، في صراع مرير مع واقع شرس وقاس، تأتي الأفلام الهندية لتكون ملاذا يلجأ إليه المواطن لتفريغ كل قهره ومعاناته، للهروب إلى عالم من الحلم والفنتازيا.
الأفلام الهندية تتوجه إلى جمهور واسع، يائس من تحقق أحلامه في الواقع. يرى أن أحلامه وأمنياته وطموحاته وتخيلاته ورغباته الدفينة لا تتجسد إلا على الشاشة، وتجد تصعيدها في السحر الذي يغلـفه.
هو يذهب إلى الشاشة (العالم الآخر) طواعية وبلا إكراه ليعيش حالة من الغشيان، حالة هي بين الصحو والنوم. وهو يدفع نقودا ليتعاطى جرعات من الوهم، ليرى مشاكله وأزماته محلولة. يريد أن ينسى نفسه، يغيب عن عالمه الحقيقي المليء بالمآسي والبؤس والشقاء.
إنه يحقق سموه بواسطة الصور المتحركة التي تغزو حواسه ومشاعره، وما إن تحتل الصور كيانه حتى يفقد ذاته. هكذا، في صالة معتمة، معزولا عن محيطه وأقرانه، مستسلما كليا للصور المهيمنة، يبتعد المتفرج عن عالمه الحقيقي ليدخل في عالم زائف، مصطنع، يتشكل في فضاء الحلم. ويزداد اندماجه وانفعاله وهيجانه - فسيولوجيا وسيكولوجيا - كلما ازدادت جرعات التوابل والمنبهات التي يضيفها صانعو الفيلم، وأيضا كلما بلغ التلاعب بالمشاعر والغرائز مستويات أعمق.
استجابات المتفرج هنا صريحة، ظاهرة، هذيانية. إنه يتفاعل بحماسة عفوية، وإزاء كل حالة يعبّر بردّ فعل متلائم ومختلف. اللا وعي يتحرر من الكوابح والموانع. عملية المشاهدة تنتفي منها صفة النقد والتحليل لتتسم بالتنفيس والتعويض والتطابق أو التماهي. الإحساس بالعنف والغضب والرغبة الجنسية والعاطفة الرومانسية.. كل هذه الأحاسيس وغيرها تتملك المتفرج طوال مدة العرض.
الملفت للنظر أن عروض بعض الأفلام الناجحة تستمر لسنوات: فيلم sholay  عُرض مدّة سبع سنوات متواصلة، بينما عُرض فيلم dilwale dulhaniya le jayenge  مدّة عشر سنوات متواصلة، فالجمهور الهندي لا يمانع من مشاهدة أفلامه المفضلة أكثر من عشرين مرّة لمجرد الاستمتاع بتأدية أغاني الفيلم الناجحة وإلقاء حوارات الممثلين بالتزامن مع الشاشة.
الأفلام التي تتناول حقائق حياته وتناقضات واقعه وقضايا مجتمعه بالتحليل والنقد، بدافع التغيير أو التحريض على التغيير، لا تلقى دائما قبولاً واستجابة إيجابية من القسم الأكبر من الجمهور. فالمتفرج، من جهة، يختبر هذه الحقائق ويعيشها ويعانيها يوميا، فلا يشعر بحاجة إلى رؤيتها ثانية وقد أعيد تمثيلها على الشاشة. إنه يأتي باحثا عن الحلول أو الاكتفاء بالفرجة لا المشاركة في إيجاد الأجوبة.
من جهة أخرى، السينما بالنسبة إليه هي المفسّر الوحيد للعالم وظواهره. إن ما تظهره الأفلام يصبح حقائق ثابتة. والواقع السينمائي يتحول مع مرور الوقت ليصبح الواقع الذي يتوق إليه ويرغب في الانتماء إليه والإقامة فيه، يصبح الواقع البديل الذي يمثل الخلاص. ويبدأ في النظر إلى واقعه كحالة مؤقتة، زائلة، سوف يغادره يوما لينتقل ويعيش في الواقع الآخر.. واقع الشاشة.
 
عبادة النجم
الأفلام الهندية تأخذ جمهورها في رحلة عبر دهاليز الحلم، لكنها رحلة سياحية حيث الأغاني والرقص والمناظر الطبيعية الخلابة المنتقاة بعناية، سواء في مناطق سياحية في الهند أو في بلدان أوروبية. يرافق الجمهور في رحلتهم الوهمية نجوم لهم صفات وعواطف سماوية.
نظام النجوم قوي وراسخ ومزدهر في السينما الهندية منذ بداياتها تقريبا. وجود النجم ضمان لنجاح الفيلم. إنه العنصر الأهم. سينما المخرج لا وجود لها، باستثناء ساتياجيت راي ومرينال سين وآخرين قلة يمثلون السينما المختلفة، المغايرة، التي لا تصل إلى الجمهور العريض.
المخرج موظف، حرفي، وليس صاحب رؤية خاصة وأسلوب خاص. حتى أنه لا يتحكم ولا يضبط كل مظاهر صنع الفيلم، ففي الفيلم الواحد هناك مخرج آخر متخصص في تنفيذ الأغاني، وآخر في تصوير الرقص، وآخر في تصوير المعارك والمطاردات، أما الحوار فيخضع لإعادة الكتابة من قبل النجوم ليتناسب مع صورتهم الجماهيرية. كل هذا لا يدع للمخرج الأصلي سوى مساحة صغيرة للعمل.
كل عناصر الفيلم، من قصة وتصوير ومونتاج واستعراضات، موظفة لخدمة النجم الذي يمثل في عدة أفلام، يصل عددها أحيانا إلى عشرة، في وقت واحد.
لعبادة النجم جذر ديني و اجتماعي في الذهنية الهندية. المواطن العادي يكنّ احتراما عميقا، يصل إلى حد التقديس، للزعيم أو الكاهن أو المعلم أو أي كائن قادر أن يقوم بأفعال بعجز غيره عن القيام بها، والذي يلجأ إليه الآخرون طلبا للعون أو المشورة أو تقديم حلول لمشاكلهم.
إنه أمر عادي ومألوف أن يبني المعجبون معابد خاصة لممثليهم المفضلين، وأن ينظروا إليهم ككائنات سماوية. عندما أصيب النجم أميتاب باشان، أثناء تصوير أحد أفلامه، إصابة بليغة أدخل على أثرها المستشفى، توقفت أنفاس الأمة كلها. الشعب، بكل طوائفه وطبقاته، صلى من أجل شفاء نجمهم، بل وقدم الكثيرون النذور، ومارسوا أعمال التكفير، في سبيل شفائه العاجل.
عبادة النجم هي التي تحافظ على بقاء بعض الممثلين لسنوات طويلة وهم يؤدون دور البطل الشاب حتى وإن تجاوزوا الخمسين. إنه بمنزلة المقدّس، الخارق، السامي، الخالد. في حين نجد أن الممثلات أقل خلودا، أقل بقاء في دائرة النجومية، فاللواتي كن بالأمس يقمن بدور حبيبات البطل أصبحن اليوم يقمن بدور أم البطل (نفسه).
النجم يعتبر نجوميته عرشا ملكيا. إنه يهيئ أولاده وربما أحفاده لوراثة العرش، فينشئ أبناءه سينمائيا، ينتج ويخرج أفلاما يضطلعون بالبطولة فيها ليتكرسوا نجوما مثله.. والنماذج لا حصر لها.
 
الكائن الخارق
النجم نموذج، مثال، لما يتوق إليه المتفرج، لما يريد أو يحب أن يكونه. إنه يجسد كل ما لا يستطيع المتفرج أن يفعله. يمثـّل البديل أو الذات الأخرى الأكثر تفوقا وسموا وبطولية.
عندما قدم النجم أميتاب بتشان شخصية الشاب الغاضب في سلسلة من الأفلام، منح الجمهور صورة كانت مطلوبة بإلحاح، ذلك لأن آلافـاً من الشبان يرغبون في التعبير عن غضبهم لكنهم لا يجدون القنوات التي من خلالها يمكن التعبير عن هذه الحالة.
النجم قادر في الفيلم الواحد أن يفعل كل شيء: يرقص على مختلف الإيقاعات، الشعبية والغربية. يغني (وإن كان يستعير أصوات مغنين محترفين). رومانسي جدا، يذوب حنانا ورقة في تعامله مع المرأة التي يحب. محارب صلب، بإمكانه أن يصرع عشرة رجال أشدّاء حتى لو كان هزيل البنية. مرح إلى حد التهريج.
النجم كائن خارق. يسمو فوق البشر. بطولته ليست موضع شك، فهو لا يخاف من شيء، ويقتحم مكامن الخطر كالذاهب في نزهة. تتوفر فيه كل الصفات الخيّرة والنبيلة. الظروف أو التربية أحيانا تدفعه إلى سلوك طريق الشر لكنه ينال عقابا خفيفا ليعود سريعا كي يحارب من أجل الدفاع عن قيم الخير والحق والعدل.
النجم تتوفر لديه خاصيات ومواصفات لا يمكن أن تتوفر في كائن بشري: الجاذبية، الحكمة، المعرفة، الشجاعة، الرشاقة، الرهافة، القدرة الخارقة، وغير ذلك من المواصفات التي تستحق الإعجاب والحب، والتي تؤهل النجم لأن يكون نموذجا يحتذى به. علما بأن المتفرج يدرك جيدا بأن مثل هذه الخاصيات ليست حقيقية، ولا يمتلك الممثل - النجم بعضاً منها في حياته اليومية. المتفرج يعرف مثلا بأن الصوت الذي يغني به النجم صوت مستعار، وأن المساحيق (المكياج) تغطي وجهه، وأن هناك ممثلا بديلا يقوم بالحركات العنيفة في المعارك والمطاردات نيابة عنه.. لكنه الوهم، الوهم الذي يتشبّث به الم

المزيد


شعرية السينما

مارس 16th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , أمين صالح

أمين صالح
 
 
في مقالته "الروح الجديدة للشعر"، تنبأ الشاعر أبولينير بأن مملكة شاعر المستقبل ستكون في السينما، حيث أن الشاشة (وأي فضاء مرئي) سوف تحل محل الصفحة البيضاء، وتصير ساحة لقاء أكثر ملاءمة للمشهد الداخلي والمنظر الطبيعي، للفعل الفيزيائي والطاقة النفسية، لتداعيات الواقع، وتكون ناقلا – أكثر مصداقية - للزمن والمكان.
في العام 1916 عبّر أبولينير عن آرائه في السينما، أثناء مقابلة صحفية معه، وقال: " اليوم هناك فن بوسعه أن يلد نوعا من الوجدان الملحمي من خلال عشق الشعراء للغنائية، وعبر الحقيقة الدرامية للأوضاع والحالات.. ذلك هو فن السينما. الملحمة الحقيقية هي تلك التي تُروى على مجموعة محتشدة، ولا شيء أقرب إلى الناس من السينما. إن ذلك الذي يعرض الفيلم، يلعب اليوم دور المنشد في سنوات الأمس. الشاعر الملحمي سوف يعبّر عن نفسه بواسطة السينما".
وفي موضع آخر، قال أبولينير: "حتى بداية القرن العشرين، الأذن كانت تقرّر خاصية الشعر. في السنوات العشرين التالية، أخذت العين بثأرها. هذا هو قرن السينما".
إن حماس أبولينير للأفلام دفعه إلى كتابة قصيدة، في العام 1917، هي بمثابة تحية موجهة إلى السينما، كما تحدث في إحدى قصصه عن الاستخدامات المحتملة للفيلم السينمائي. بل أنه أبدى رغبته في تحقيق فيلم، وكتب مع صديقه أندريه بيلي سيناريو فيلم لم ينفّذ.
هكذا، بتوجيه من أبولينير ومريديه، بدأ شعراء ورسامو باريس في الالتفات إلى السينما.
ماكس جاكوب، صديق أبولينير المقرّب، كتب في العام 1914 قصيدة يمتدح فيها السينما.
وفي مقالة كتبها الشاعر بيير ريفردي، في 1918، تساءل إذا السينما شكل فني، واستنتج بأن "في الفن، المتعة والدهشة متصلان، وبوسعنا أن نجزم بأن الشيء الذي لا يعود يدهشنا، لا يعود ممتعا".
الشاعر بيير ألبير – بيرو كتب، في العام 1919، عن السينما بوصفها "موضوعا للشاعر". وقد كتب سيناريو لفيلم تجريبي.       
اهتمام السورياليين بالسينما كان مبكرا، ففي العام 1917 كتب الشاعر السوريالي لوي أراغون عن الديكور السينمائي مدركاً لقوة الكاميرا السينمائية وقدرتها على الذهاب إلى قلب الأشياء، لإضفاء قيمة وسموّاً على الأشياء العامة الشائعة التي تصورها.
السوريالية، في الواقع، كانت أول حركة أدبية وفنية توجّه اهتماما جادا إلى السينما التي احتلت موقعا مميزا بسبب توقيت ولادتها، والانبعاث الأول للصور المتحركة مع بداية قرن جديد سوف يشهد تطور وتوسّع وانتشار السينما. شعراء المستقبل من السورياليين كانوا، آنذاك، أطفالا ومراهقين جذبتهم الصور السينمائية بسحرها وفتنتها مثلما جذبت الملايين من المشاهدين في مختلف أنحاء العالم.
لقد ولدوا مع مطلع القرن، وتحديدا مع اللحظة التي فيها بعث الوسط الجديد ضوءه الخاص ليبهر العين والذهن. كانوا ينتسبون إلى الجيل الأول الذي نشأ مع الأفلام التي أضحت إحدى حقائق أو مظاهر الحياة اليومية.
وقد عبّر الشاعر والروائي والسينمائي السوريالي روبير ديسنوس عن افتتان ذلك الجيل بالسينما قائلا: "لقد ولدنا للتو… هيّجتنا الرغبة الشديدة التوق إلى الحب، هيجتنا الرغبة في الثورة والتسامي… لنا، لنا وحدنا، اخترع الأخوان لوميير السينما. وفي صالة السينما، كنا نشعر بأننا في بيوتنا. وتلك الظلمة كانت ظلمة غرفنا قبل الذهاب إلى النوم. ربما كان بوسع الشاشة أن تضاهي أحلامنا".
لم يستطع السورياليون أن يبقوا، لفترة طويلة، بعيدين أو غافلين عن طريقة في التعبير ذات فتنة بصرية بارزة، تشجع على انبثاق تداعيات لا يتعيّن عليها أن تكون عقلانية أو منطقية. وقد لاحظ الشاعر فيليب سوبو في مقالة كتبها في يناير 1918: " يوماً ما، حصل الإنسان على عين جديدة".      
لكل فن جوهره الشعري، والسورياليون هم ربما أول من اكتشف هذا الجوهر في السينما.. حتى قبل السينمائيين أنفسهم. وهم الذين آمنوا بأهلية وقدرة الفيلم على توصيل المحتوى الشعري. 
عن هذا الجانب تحدث أراغون،في العام 1918، والسينما كانت آنذاك تعيش طفولتها، فقال: "أمام الشاشة يتعيّن علينا أن نفتح أعيننا، أن نحلل المشاعر التي تحوّلنا، أن نفسرها في سبيل اكتشاف سبب ذلك التسامي الذي تحسّه ذواتنا"، ثم تطرّق إلى المواد والأشياء التي تجد تمجيدها على الشاشة وترتفع إلى المرتبة الأسمى للشعر. ليضيف: "إذا كانت السينما اليوم لا تكشف عن حقيقة كينونتها، أو ما ينبغي أن تكونه، بوصفها استحضارا قويا، حتى في أفضل الأفلام الأمريكية التي تخوّل شعر الشاشة لأن يتحرر من فوضى الاقتباس المسرحي، فذلك لأن الفيلم لا يدرك خاصياته الفلسفية رغم أنه أحيانا يمتلك وعيا حادا بجماله. كنت أتمنى أن يكون صانع الفيلم شاعرا أو فيلسوفا".
هذه الأمنية تحققت بعد سنوات قليلة مع توافد الشعراء إلى الوسط السينمائي، ليعبّروا من خلالها، وبواسطة لغة بصرية طرية، عن رؤاهم الجديدة.

Ray-Man_Letoile-De-Mer_1928

التشكيلي والشاعر مان راي حقق، في العام 1928، فيلما قصيرا بعنوان "قنديل البحر" عن قصيدة كتبها روبير ديسنوس، وقد تحدث عن هذا الفيلم في سيرته الذاتية (الصادرة في 1963) فقال: "قصيدة ديسنوس رأيتها بوضوح كفيلم سوريالي.. كانت أشبه بسيناريو فيلم يتألف من 15 أو 20 سطراً (بيتاً)، وكل سطر يقدم صورة واضحة، منفصلة، لمكان ما، أو لرجل وامرأة. ليس هناك حدث درامي، مع ذلك، هناك كل العناصر لحدث محتمل".
الفيلم منظم في عدد من الأجزاء التي تتحدى التعليل العقلاني. إنه لا يقدم قصة بل تشكيلة من الأفعال والثيمات والموتيفات التي معاً تخلق انطباعات معينة في عينيّ المتفرج. الفيلم لا يسرد قصة حب وإن كان يستنطق مظاهر من علاقة الحب الجنسية والعاطفية.
بعد سنوات قليلة بدأ مان راي في العمل على فيلم آخر كتب له السيناريو أندريه بروتون وبول إيلوار، لكن لم يصور منه غير لقطات قليلة، دون أن يتمكن من إكمال المشروع. .
من الشعراء الذين حققوا أفلاما: جاك برونيو، ديسنوس، جان كوكتو، الأخوان بريفير، أنتونان أرتو.
كان الشاعر لوي أراغون يرى في السينما الوسط الحديث للتعبير، الأداة الأكثر فورية ومباشرية لهذه الحداثة: "وحدها السينما، التي تتكلم مباشرة إلى الناس، قادرة أن تفرض هذه المنابع الجديدة من الإشراق الإنساني على البشرية المتمردة، على الإنسان الباحث عن قلبه". وقد خصص أراغون الجزء الأكبر من مقالته لتحليل "الإحساس الذي ينقلنا، لاكتشاف السبب في تسامي ذواتنا". ويستنتج أراغون بأن السينما هي "الحقل الملائم للجمال الحديث".
شعراء السوريالية، في تلك المرحلة، لم يكتفوا بعشق السينما، وت

المزيد


أنجيلوبولوس: الأصداء ذاتها.. الأبعاد ذاتها

مارس 13th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , أمين صالح

 ترجمة: أمين صالح
 
المخرج السينمائي اليوناني ثيو أنجيلوبولوس يتحدث هنا عن رؤيته للأفلام، للفن، للواقع، للعالم :
 
* كل هواجسي تدخل أفلامي وتغادرها، مثلما تفعل الآلات الموسيقية التي تعزفها الاوركسترا في حفل موسيقي. إنها تدخل وتخرج. وتصمت فقط لكي تعاود الظهور في ما بعد. نحن محكومون بأن نعمل مع هواجسنا. نحن في الواقع نحقق فيلما واحدا فقط، نكتب كتابا واحدا فقط.. الباقي مجرد تنويعات وأشكال خارجية تعكس الثيمة ذاتها.
* الفيلم الأول هو الأصل، البذرة الأصلية. كل ما يأتي في ما بعد هو إما تنويع أو تطوير أو توسيع ينشأ من تلك الثيمة الأولى. فيلمي الأول "إعادة بناء" يحوي كل الثيمات التي طورتها في ما بعد.
في الواقع، أعتقد أن المرء دائما ينجز الفيلم ذاته المرّة تلو الأخرى. مؤخرا شاهدت من جديد عددا من أفلام بيرجمان، هذا الأمر ينطبق عليه أيضا..كل فيلم له يعد تتمة للفيلم السابق.
لهذا السبب لن تجد كلمة "النهاية" ظاهرة في خاتمة أيٍ من أفلامي. في ما يتعلق الأمر بي، فإن هذه الأفلام هي فصول من فيلم واحد، وهذا الفيلم سوف يستمر إلى ما لا نهاية، ولن يكتمل أبدا، نظرا لأنه ليس هناك أبدا كلمة أخيرة في أي شيء.
* سبايروس هو اسم والدي، وبالنسبة لي، هذا الاسم يمثّل ذاك الجيل بأسره. في سياق الأفلام، الأسماء لا تحمل أي مغزى أو دلالة لكنني مرتبط بها كثيرا. الأمر الآخر، بما أن كل فيلم من أفلامي يحمل بذرة الفيلم التالي، فإن الاسم هو أحد الروابط بين الأفلام.
من جهة أخرى، قد يعكس اختيار الاسم معضلة شخصية.. من المحتمل أني غير قادر على إخبار الآخرين قصصا لا تمتّ إليّ بصلة، أعني أن تكون نابعة من ذاتي. ربما أنا ببساطة محصور ضمن نطاق تجربتي الخاصة وحدها.. معاناتي وآمالي، نموّي وتطوري. 
* هناك ثيمات متكرّرة في أفلامي: مشاهد الزفاف موجودة في كل أفلامي تقريبا. المظلات تكرّر ظهورها منذ فيلمي الأول "إعادة بناء". اللون الأصفر بدأ منذ "رحلة إلى كيثيرا" حيث كان هناك منظر طبيعي رمادي، وتطلب الأمر أن يمرّ شخص ما في يوم ماطر، وكانوا بحاجة إلى معطف واق من المطر، فقلت لهم "اختاروا معطفا أصفر اللون".. ومذ ذاك بقي الأصفر معي.
البعض يسألني عما يمثله الأصفر، غير أني لا أعرف الإجابة. ثمة أشياء موجودة في أفلامي لا أستطيع أن أفسرها وأعلّل سبب وجودها. أحيانا تكون مكتوبة في السيناريو، وأحيانا تقتضيها عملية التصوير. قد أصور مشهدا وأشعر بشيء ما مفقود فأضيف شيئا وأصور المشهد ثانية.
الأمر الذي نجحت في فعله، طوال تلك السنوات كمخرج، هو أنني امتلكت حرية الكاتب الذي يمزق الصفحة بعد كتابتها ليكتب صفحة جديدة. تلك هي الحرية العظيمة التي يتمتع بها الإنتاج الذي لا يعتمد على ملايين الدولارات.
* شخصية الأب هامة جدا في ماضي الخاص. غياب أبي الذي أخذوه بعيدا، ولم يتسن لنا أن نعرف ما إذا كان حيا أم ميتا. كان غيابه عبئا ثقيلا علينا جميعا.
كان ذلك نقطة هامة، على نحو حاسم، منذ فيلمي الأول. يبدأ ذلك الفيلم بعودة الأب. الأفلام اللاحقة تتعامل مع البحث عن شخصية الأب، سواء الأب الحقيقي أو المفترض، ذلك البحث الذي يمكن أن يكون إحالة إلى الفيلم برمّته وإلى بطله.
* في كل أفلامي هناك شخصية تبحث عن الأب.. لا أعني الأب الحقيقي فحسب، لكن مفهوم الأب كإشارة أو معنى أو رمز لما نحلم به. الأب يمثّل ما نريد أو ما نؤمن به. ذلك يعني بأن البحث عن الأب هو في الواقع محاولة للعثور على

المزيد


الأبد ويوم واحد.. كيف تقضي يومك الأخير؟

مارس 12th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , أمين صالح

أمين صالح
 
   
ثيو أنجيلوبولوس، المخرج اليوناني، صوت فريد في عالم السينما، ويعد واحداً من رموز السينما "الفنية" الحديثة، ومن أكثر السينمائيين أهمية وتميزا، وإثارةً للجدل أيضا، في السينما العالمية المعاصرة. إنه ينتسب إلى نخبة من المخرجين القلائل الذين ينطبق عليهم التعريف الكلاسيكي لـ "مبدع الفيلم" أو "المخرج المؤلف"، إذ كل لقطة، من كل مشهد، من أي فيلم حققه، تعبّر عن رؤيته الفنية والفكرية، وتعكس شخصيته الفنية، على نحو يتعذّر محوها أو إزالتها. إن نظرة عجلى إلى أي فيلم له، وفي أي موضع يتم اختياره من مسار الفيلم، ستكون كافية للكشف عن هوية المبدع الذي حقق هذا العمل الفني.
هو من أكثر المخرجين اليونانيين شهرة وتأثيرا. أفلامه حازت على العديد من الجوائز الكبرى في المهرجانات العالمية، وتم الاحتفاء به كواحد من القلة العظام في تاريخ السينما..لكن خارج تلك الدوائر السينمائية، لا يبدو أنجيلوبولوس معروفا جيدا لدى الجمهور العريض، وحتى في بعض الأوساط السينمائية، إذ يعتبر من أولئك المخرجين "الصعبين"، ذوي الرؤى العميقة الخاصة، والأساليب التي لا تتوافق مع الذوق العام السائد بفعل هيمنة الأعمال الاستهلاكية. إنه ينتمي إلى تلك النوعية الجادة من السينمائيين الذين يتعاملون مع الجمهور باحترام، دونما رياء أو تملّق، ناشدين المشاركة الفعالة فكريا وتخيليا، وذلك عبر بلاغة بصرية ورؤية واعية وثاقبة للحياة وللعالم.
عدم "جماهيرية" أفلامه ناشئة من اهتمامها بموضوعات فكرية وفلسفية عميقة (تتصل بالحياة والموت، الذاكرة والندم، التاريخ والهوية، الفن والغربة) وابتعادها عن الجماليات السائدة في السينما المعاصرة (بالأخص في هوليوود) التي تعتمد على المؤثرات الخاصة والتقنيات الرقمية (ديجيتال) والنجوم.
أفلامه تدعو إلى التأمل لا الإثارة والتشويق. إنها تمزج عناصر من الاتجاه الكلاسيكي والاتجاه الحداثي، معتمدة على إيقاع مغاير يتسم بالبطء والتريث عبر لقطات مديدة تستغرق دقائق طويلة دون قطع، وعبر معالجة خاصة للزمن والمكان.
إن أي فيلم له – شأنه شأن المخرجين الكبار- يعد حدثا سينمائيا هاما، ويكون موضع ترقّب ومتابعة وجدل، ليحفظ بعدها في الذاكرة السينمائية كعلامة بارزة في مسيرة فن السينما.
مشاهدة أفلامه هي تجربة منعشة، رحلة سينمائية مدهشة نختبر فيها الحياة من زاوية مختلفة و بعين طرية، وخلالها نطرح الأسئلة عن وجودنا في هذا الكون.
في فيلمه "الأبد ويوم واحد"، الحائز على الجائزة الكبرى في مهرجان كان، نرى شاعرا يدعى"ألكسندر" (يؤدي دوره الممثل النمساوي الكبير برونو غانز) وهو يتذكرحياته التي أمضاها في عزلة وانفصال عن العالم، وعن ما حوله، منغمرا في الكتابةوحدها.. فيما هو يستعد لدخول المستشفى في اليوم التالي مصابا بمرض خبيث قديودي بحياته.
فيما هو يهيم في شوارع مدينة ثيسالونيك، يتداخلالماضي والحاضر، الذاكرة والواقع، في تأمل مركّب لكنه محرّك للمشاعر على نحوحاد ومكثف.. تأمل في اللغة والموت والذاكرة والموهبة الشعرية.
بعثوره علىبعض الرسائل، التي تركتها زوجته المتوفية منذ سنوات، تبدأ ذكرياته في التدفّقمدركاً إلى أي حد هي أحبته. إن توقه الى الاتحاد من جديد بزوجته على المستوىالروحي، يأخذ شكلا آخر، في هيئة علاقة بصبي ألباني مهاجر بطريقة غيرقانونية، والذي يتعهد بمساعدته في عبور الحدود مقابل أن يجلب إليه مفرداتيونانية جديدة لم يسمع بها من قبل، والتي قد تساهم في تحريك الركود الإبداعيالذي يعاني منه في السنوات الأخيرة. هذه العلاقة تجعله ينفتح ثانيةً علىإمكانيات الحب في العالم.. حتى لو لمجرد يوم واحد فقط.. وهو اليوم الذييقضيه برفقة هذا الصبي.
إن أنجيلوبولوس يوحّد هنا الشخصي والسياسي،فذكريات البطل بشأن الحياة العائلية تندمج مع مراحل أساسية من التاريخ اليونانيالمعاصر، ومع التأمل في قصة الشاعر الشهير سولوموس الذي كتب النشيد الوطني، ووحّد اللغة اليونانية الحديثة.
في أحداث متوازية، هو يروي للصبيقصة هذا الشاعر الذي كان يشتري الكلمات من الناس لكي يوظفها في قصائده،وكيف أنه (أي ألكسندر) قد تخلى عن الكتابة من أجل أن يكمل قصيدة ناقصة كانقد كتبها ذلك الشاعر، والذي عاش في إيطاليا زمناً ثم عاد الى بلده اليونان وهولا يتقن اللغة اليونانية جيداً، لذلك كان يشتري المفردات التي لم يسمعبها من قبل، والتي تثير مخيلته الشعرية برنينها وفرادتها.
قبل ساعات من رحيلالصبي بالباخرة، يأخذه ألكسندر في جولة ليلية عبر الباص حول المدينة، حيثيصادفان شخصيات غامضة عديدة (بينهم ذلك الشاعر اليوناني الميت) وهميركبون الباص ويغادرون.
بعد انتهاء الجولة، يرحل الصبي فيما يقرر ألكسندرعدم الذهاب إلى المستشفى، إنما يمضي الى الشاطئ، محدّقا في البحر، متأملا ما مضى من حياته.
عنوان الفيلم هو إعادة صياغة لزعم أورلاندو - في مسرحيةشكسبير "كما تحبها" - من أن عشقه سيدوم إلى الأبد إضافة إلى يوم واحد.
التوترفي السرد ينشأ من قرار شاعر يحتضر بأن يؤجل استعداداته للموت كي يشغلنفسه بمشكلة صبي لاجئ يجسّد الاضطراب في دول البلقان. هذه العلاقة العابرةتفضي به الى فهم أفضل لمنفاه الداخلي الخاص كراصد مشوّش لوطنه اليونان ولحياته الشخصية. في الوقت نفسه، تلك العلاقة تقرّبه أكثر من القصيدة التييحاول إكمالها.
كما في العديد من أفلام أنجيلوبولو

المزيد


التالي