تُنشر الأخبار, والمقالات, والدراسات المُدرجة في مدونة سحر السينما بمُوافقةٍٍ شفهية,أو خطية مُُسبقة من مؤلفيها


فريدا كالو.. تلك المرأة..

أكتوبر 10th, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , بشار إبراهيم

 بشار إبراهيم ـ دمشق
             
          

                        
فيما بين الفنانة التشكيلية المكسيكية فريدا كالو (1907- 1954) والممثلة المكسيكية سلمى الحايك، ثمة خيط خفيّ، لا بدَّ من الانتباه إليه، والتقاطه، وهو أن كلاً منهما استطاعت، بطريقتها الخاصة، الانتقال بالمرأة اللاتينية، (المكسيكية هنا)، من حال إلى أخرى، يمكن وصفها بأنها قطع المسافة ما بين وضعية المرأة المُلحقة، التابعة والخادمة، إلى المرأة المستقلة، القادرة على التعبير عن ذاتها، والارتقاء إلى مستوى البطولة..
فإذا كانت فريدا قد تمكّنت، ولو بعد حين، من تقديم صورة المرأة اللاتينية القادرة على التقدُّم إلى الصفوف الأولى، باعتبارها ظاهرة نادرة في الفن التشكيلي، كما في تجربتها الحياتية، فإن الممثلة سلمى الحايك (كما الممثلة جينيفر لوبيز) استطاعت التقدُّم إلى مكانة من يمكن لها أن تمثل دور البطلة في السينما، بعد شوط من عمر السينما الهوليوودية، التي كانت تحصر حضور اللاتينيات في دور الخادمة، أو العاهرة..
انتصرت فريدا على كل ما حاق بها من أقدار مؤلمة، ومن فجائع جسدية ونفسية، غطست فيها طيلة عمرها. وقدمت نموذجاً فذاً للمرأة المبدعة التي لم تكسرها الأيام، على الرغم من كل الانكسارات التي بللتها، في الجسد والروح.
وانتصرت الممثلة سلمى الحايك في سياق التحدّي للتقدم إلى دور البطولة، حتى لو كان من خلال تجسيد شخصية فريدا على شاشة السينما..
هاهنا نجد الفنانة اللاتينية تنتصر بالفنانة اللاتينية، وترتقي بها من حيز الهامش إلى متن النص، فتبرع كل منهما في مجالها..

ستبدو (فريدا كالو) حقيقةً، ودون أدنى شك، حالة فريدة من النساء اللواتي عبرن القرن العشرين، فتركن بصمات خاصة بهن، لا يمكن إلا الوقوف أمامها، والتأمل فيها، باحترام وتقدير.. فقد تحوَّلت، بعد خمسين عاماً من رحيلها، إلى واحدة من أبرز النماذج التي ترتفع على رايات المناضلات من أجل حرية المرأة، وحقوقها..
فريدا، التي تزوجت (دييغو ريفيرا)، أحد أهم رسامي الجداريات في العالم، والتي عاشرت (ليون تروتسكي)، نبيّ الثورة كما يتفق على تسميته الكثيرون، والتي صادقت (أندريه بروتون)، أحد أهم الرواد ومؤسسي المدرسة السوريالية.. ومع ذلك فلم يكن المجد الذي بنته مستمداً من أمجاد أيّ من هؤلاء الرجال، على الرغم من عظمتهم واتساع شهرتهم.. بل لعلها أضافت شيئاً من فرادتها إليهم..
فريدا كالو.. تلك المرأة التي عاشت عمراً قصيراً، فيما بين العامين (1907- 1954)، لم تشأ المرور في هذا العالم دون أن تملأ المكان ضجيجاً.. جنوناً ومجوناً، حباً وإبداعاً، وصبراً تكاد تعجز عنه الجبال.. لكن تلك المرأة (عاقدة الحاجبين) فعلت ما لم يستطعه الرجال من بني جلدتها السمراء.. فقد كان الرسم وسيلتها الأساس، في مواجهة ما أعدَّته الأقدار لها من نكبات وويلات.. حتى قيل إن فريدا رسمت حياتها، وآلامها، وقلقها.. وربما تنبوءاتها..
لقد خانها الجسد، فتداعى على رغم كل الجبيرات التي لفَّته، وخانها الزوج (دييغو ريفيرا) مراراً، وتخاذل عشيقها (ليون تروتسكي، ذاته، وما غيره) تحت ضغط زوجته، ومضى عنها الأصدقاء (أندريه بروتون، وآخرون).. وفشل معرضها (الحلم) في باريس، فعادت بقليل من اللقاءات مع أعلام الفن والأدب في مدينة الأضواء، دون أن تنسى المرور على القليل من موبقات الليل الباريسي..
***
يبدأ فيلم (فريدا) من البيت الأزرق، في حي كويواكان، جنوب العاصمة المكسيكية.. من مكان عابق بالدهشة، حيث النباتات الاستوائية، وأشواك الصبار.. هناك ثمة ببغاء وقردة وكلاب وطاووس.. جرار من الفخار.. أعمدة رخامية، ومنحوتات لوجوه غارقة في ذهولها التاريخي.. مجسمات خشبية لأجساد تؤرجح أذرعتها في فراغ المكان..
وثمة رجال مكسيكيو الملامح، يحملون سريراً سُجيّ عليه جسد المرأة، التي سنتعرَّف على فريدا في ملامحها.. جثة ما زالت تتنفس.. تتوسّد سريراً مترعاً بالصور الشخصية، والرسوم الملونة، وكتابات عن الحب.. طُرّزت على وسادتها البيضاء..
تنطلق شاحنة متهالكة، ترجّ جسد فريدا بعنف يفوق كل ما تقتضيه تجاعيد الطريق، وما تتوجَّبه مشقة المرور فوق الحجارة المتناثرة على الدرب.. تقترب الكاميرا من تلك العينين البارقتين، تحت حاجبين معقودين، بأمل ذكرى، وآخر نبضات التشبّث بالحياة.. فتنطلق منهما، في استعادة تذكارية (فلاش باك)، إلى صورة تلك الفتاة اليافعة، فريدا الطالبة المراهقة، ابنة الخمس عشرة سنة.. أي بالعودة إلى مكسيكو سيتي في العام 1922..
تبدو فريدا منذ البدء في صورة الفتاة القوية الشخصية، فبينما يتسلل زملاؤها هاربين، بعد حفلة تلصّص، تقف هي، وتخاطب دييغو قائلة: (أبقيكَ على الطريق القويم، أيها الأكرش).. وسنجد أن فريدا ستحاول في سنوات عمرها القادمة القيام بذلك فعلاً، أي قيادة دييغو ريفييرا إلى الطريق القويم، وربما دون جدوى، تماماً!..
يقدم الفيلم صورة سريعة عن أسرة فريدا: والدتها سيدة المنزل، التي ستجفل كثيراً من زواج ابنتها فريدا من دييغو، وتعتبره يشبه (زواج فيل من حمامة). والدها الفنان في مجال التصوير الفوتوغرافي، والذي يبدو على علاقة جيدة مع ابنته فريدا، على الأقل من خلال حالة الحوار المستمرة بينهما، ف

المزيد