الأسلوب الحديث يرتكز على الذاكرة الشعورية بينما التقليدي يركّز على الأقنعة
إيليا كازان و لي ستراسبيرغ نقلا طريقة الأداء نقلة كبيرة
خالد ربيع السيد
ليس من الصعب على المشاهد ،مهما كانت خبرته، أن يلحظ الفرق بين الأداء القديم و الأداء الحديث في فن التمثيل، خصوصاً إذا ما تأمل الأفلام الأمريكية منذ الأربعينات وحتى بداية الخمسينات . فالأداء التمثيلي الحديث يتسم بواقعية وطبيعية أكثر، بينما كان
أقنعة الأداء الكلاسيكي ومنهجية التمثيل الحديث
وهكذا في التمثيل الحديث توجد سمات خاصة جداً لدى كل ممثل يضفيها الى أي دور يلعبه، ويفترض لو أن عشرة ممثلين أدو دوراً بعينه فمن المتوقع أن يقدموه بعشرة طرق مختلفة، بينما كان الأداء في السابق منسوخاً من بعضه، وكأنه أقنعة تلبس حسب نوع الشخصية، وهو المتبع في طريقة التمثيل المصرية الحديثة، غير أن تلك الأقنعة القديمة لم تكن شديدة التنوع، بل تكاد تنحصر في خمسة أنواع محددة: قناع الخير وقناع الشر، قناع المحب، قناع المتغطرس، قناع الفقير .
وبشكل عام، فإن الشخصيات التي تقوم بأداء حديث تبدو أكثر حقيقية و متعددة الأبعاد، أي لها وجود مكتمل وقائم. بينما في السابق كانت الشخصيات تبدو مجرد جزء من الفيلم، تـُبث فيها الحياة مع عرض أول مشهد له، وتـُنزع منها الحياة مع ظهور كلمة النهاية، والسبب في ذلك هو أن الأداء الحديث يستفيد من جوانب الشخصية التي لا تظهر بالضرورة في النص مثل الجانب النفسي والذهني والاجتماعي والثقافي، فيكون التمثيل في هذه الحالة أشبه بتلبس حالة انسان بالكامل، وليس فقط تقليد بعض تصرفاته ظاهرياً.
ولا يمكن أن ينسب هذا التغير الذي طرأ على الأداء السينمائي في العالم إلى شخص واحد، فمن مدرسة شارلي شابلن وإن كانت لها خصوصية كبيرة إلا إنها أسست الى الإنتباه الى الحالة النفسية والتعبير عنها بلغة الوجه والجسد ، ولكن هناك مدرب ومعلم تمثيل عرف عنه أنه خرّج دفعات من الممثلين اللذين إذا تأملنا أسماءهم وجدنا أنهم يمثلون التغيير الذي طرأ في فن التمثيل ومن هؤلاء : مارلون براندو وجيمس دين ،مونتجومري كليفت ،ستيف مكوين ،جين فوندا ، وبول نيومان ،جو آن ودوارد ،مارلين مونرو ،لي ريميك ،آن بانكروفت ،روبرت دينيرو ،آل باتشينو ،جاك نيكولسون ،رود ستايجر ،جيرالدين بيج ،سيدني بوتييه ،شيلي وينترز ،جيل كليبيرج ،إيفا ماري سانت ،مارتن لانداو ،ميكي رورك ،جاك بالانس ،باربرا بيل جيديس ،إيلاي والاك ،كيم ستانلي ،ويل باتون ، داستن هوفمان، سالي فيلد، جين هاكمان، وميريل ستريب. والمُعلم الذي علم هؤلاء التمثيل هو الهنغاري لي ستراسبيرغ.
الهنغاري الذي نقل عن ستانسلافسكي
ولد ستراسبيرغ Lee Strasberg في هنغاريا عام 1901، ثم هاجر مع أهله إلى أميركا وعمره ست سنوات. وفي عام 1924 مثل لأول مرة، وكان ذلك في مسرحية من إنتاج نقابة المسرح عرضت في نيويورك. بعد ذلك عمل كمدير مسرح لبعض إنتاجات النقابة. وفي عام 1931 شارك في تأسيس فرقة مسرحية اسمها مسرح الجماعة. وكانت أول من وظف أسلوب كونستانتين ستانسلافسكي في أعمالها.
وستانسلافسكي هذا ، مسرحي روسي كان مديراً لمسرح موسكو للفنون وكان يقول بأن على الممثلين ألا يبالغوا في إظهار العاطفة بالأسلوب التقليدي لأعراف المسرح، بل يتعين عليهم أن يتحدثوا وأن يعبروا بحركات أيديهم بالطريقة المتبعة في حياتهم العادية، ويعتبر ستانسلافسكي من أهم الشخصيات المؤثرة في المسرح الروسي بدأ منذ عام 1907 عندما وضع نظريات وأساليب وتمارين لجعل التمثيل واقعياً وطبيعياً. وتعرف مجموعة نظرياته بشكل عام بإسم (الأسلوب). وقد غير أسلوبه شكل التمثيل في روسيا قبل أي دولة أخرى. ولكن هذا التغير ظل محصوراً في روسيا إلى أن جاء لي ستراسبيرغ وتبنى أسلوب ستانسلافسكي وفق منظوره الخاص في فرقة مسرح الجماعة ولاحقاً في أستديو الممثل الذي أسسه المخرج إيليا كازان والمخرجة والمنتجة المسرحية شيريل كروفورد والمخرج المسرحي روبرت لويس. إنضم إليهم ستراسبيرغ حتى أصبح في العام 1952 مديراً له واحتفظ بذلك المنصب حتى وفاته في العام 1982. وكان خلال تلك السنوات المدرس والمدرب الرئيسي في الأستوديو، بل والمعلم الوحيد فيه على مدى سنوات عديدة. ومن الفنانين الذين تعاقبوا على منصب إدارة الأستوديو بعد وفاة ستراسبيرغ الممثلة إيلين بيرستين والممثل آل باتشينو والمخرج المسرحي فرانك كورسارو .
وبالطبع فإن مساهمة أستديو الممثل آنذاك في تخريج عددا من المخرجين والكتّاب والمؤلفين المسرحيين المرموقين مثل مارك رايديل ونورمان ميلر وتنيسي وليامز وإدوارد ألبي وجيمس بالدوين، كان لها دور في تكريس أسلوب ستراسبيرغ .
وهنا ينبغي التنويه بأن ستراسبيرغ كان ينفذ أجندة ستانسلافسكي وفق منظوره الخاص لأن نظريات ومبادئ ستانسلافسكي كانت شاملة لجوانب عديدة من حالة الممثل وأسلوب عمله، كما كان جزء كبيراً منها تجريب
المزيد