تُنشر الأخبار, والمقالات, والدراسات المُدرجة في مدونة سحر السينما بمُوافقةٍٍ شفهية,أو خطية مُُسبقة من مؤلفيها


أبو الريش و "دائما إتطلع في عيونهم"

نوفمبر 28th, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , زياد جيوسي

بقلم: زياد جيوسيِ
   "دائما إتطلع في عيونهم"، هو عنوان الفيلم الذي أخرجته المخرجة الشابة عزة الحسن، وقد أثار هذا الفيلم الرغبة في الكتابة عنه، فحقيقة هناك الكثير من القضايا التي أثارها في ذهني، فقد تم تقديم الفيلم بالفقرة التالية "فيلم وثائقي يناقش مستويات الاتصال التي يستخدمها الفلسطينيون مع الإسرائيليين. يركز الفيلم على قصة جاسوس إسرائيلي يتجول في شوارع بيروت متظاهرا بالجنون، خلال عيشه بين الفلسطينيين واللبنانيين فانه يحطم إحدى قواعد الحرب الرئيسة التي تمنع الاتصال في وقت الصراع".
   وفي الحوار بعد العرض اختصرت المخرجة الطريق على المشاهدين بقولها: "لا أؤمن أن الفيلم يجب أن يكون له رسالة، أنا اخرج الفيلم واترك لكل من يشاهده أن يفسر وأن يستنتج ما يريده". ومن هنا وجدت أنه لدي الرغبة بالحديث عن هذا الفيلم من خلال مناقشة تقديم الفيلم وفكرته في البداية، فالفيلم يقوم أساساً على "أسطورة" أبو الريش كنموذج لفكرة الفيلم، وأبو الريش شخص عرف عنه أنه معتوه ومجنون، ظهر في شوارع بيروت فجأة بملابسه الغريبة وبنيته الضخمة، وكعادة أهل المدن لم يتساءل عنه أحد، فهذه الظاهرة ليست غريبة أبدا، فاذكر أنه بعد نكسة حزيران ظهر شخص في عمان أيضا، كان يرتدي دوما ملابس جلدية باللون الأخضر، ويحمل آلة قديمة لجعل السكاكين والمقصات أكثر حدة، لم يكن يتكلم مع أحد أبداً، يمارس مهنته بصمت وبدون كلام، ويأخذ ما يدفعه له الناس بدون مناقشة، وكان الناس يلقبونه "الخضر الأخضر" بسبب ملابسه الغريبة، المهم أن هذا الشخص اختفى فجأة كما ظهر، وراجت الإشاعات وخلقت منه أسطورة في الأذهان، فقيل أيضا أنه جاسوس إسرائيلي، وقيل ذات يوم أنه سيعدم في ساحة المسجد الحسيني في عمان، حتى أن الإشاعة حددت الوقت للتنفيذ، وتدافع الناس للمشاهدة ولم يجدوا شيئاً، ولم تتوقف الإشاعات أبداً، وحتى قبل سنوات كنت ألتقي بعض من كبار السن الذين يذكرون هذه الإشاعة، ولكنهم يصرون أنها حقيقة مطلقة، وأن "الخضر الأخضر" جاسوس جرى إعدامه سراً، وهناك من نسج خيالة قصة أخرى، فقال انه جرى تبادله مع أسرى الجيش الأردني في نكسة حزيران.
   أسوق هذه القصة التي عايشتها للانطلاق إلى "أسطورة أبو الريش" التي استند عليها الفيلم، فكل ما أضيف على شخصية أبو الريش، أجزم انه لم يكن إلا من نسج الخيال الشعبي، فالمذكور جرى التحقيق معه أكثر من مرة بسبب الشك في شخصيته، ولم يتبين أي شيء يخصه، سوى أنه مجنون ومعتوه، وكان قد أقام له "عريشة" في منطقة المنارة، لا تقي من حر صيف ولا من برد شتاء، كان يجول الشوارع في منطقة الحمراء وفردان والرملة البيضاء، يأكل مما يتصدق به عليه الناس، تختل لديه قدرة الإحساس بحكم فقدانه العقل، فتراه في الصيف الخانق والمشبع بالرطوبة يرتدي المعاطف الثقيلة ويشعر بالبرد، وفي الشتاء القارص يتخفف من ملابسه ويشعر بالحر، وهذا يذكرني بمجنون آخر ظهر في عمان أيضا بنفس المواصفات الجسدية ونفس السلوك، واختفى فجأة أيضاً، ودارت حوله الإشاعات عن سر اختفائه، فمن يدري فربما كان هو نفسه أبو الريش، وحين اختفى أبو الريش في بداية الاجتياح سرت الإشاعة، وهناك من أكد أن أبو الريش شوهد بلباس جنرال في الجيش الإسرائيلي ويقود قوة عسكرية، وأصبحت هذه الإشاعة حقيقة في الأذهان، فنجد أكثر من شخص في الفيلم يؤكد هذه القصة، ويستند إليها للتدليل على الاختراق الأمني للعدو الصهيوني لبيروت قبل الاجتياح، ولو ناقشنا بمنطق عقلي أنفسنا لوجدنا أن القصة تنفي نفسها بنفسها، فلو كان أبو الريش جاسوساً فهو سيكون ضابط مخابرات وليس ضابطا في الجيش، وضابط المخابرات لا يقود قوات عسكرية في معركة شرسة، بالكاد يقودها الضباط المحترفين، ومهمة ضابط المخابرات أن يحصل على المعلومات فقط وإحالتها لقيادته، التي تدقق فيما يمكن الاستفادة منه وإحالته إلى القيادة العسكرية، هذا من جانب..ومن جانب آخر فإن العمل العسكري يحتاج إلى ما يسمى عملية إعادة التنشيط للقدرات والمعلومات العسكرية باستمرار، وهذا النظام معمولا فيه في دولة العدو، فنجد أن قوات الاحتياط ملزمة بالخدمة مدة شهر في العام، في عملية إعادة للتأهيل والبقاء على تماس مع تطورات الجيوش، فكيف يمكن لشخص مثل أبو الريش يغيب سنوات طوال في مهمة تجسس، وبعدها يقود قوة عسكرية مباشرة وبدون إعادة تأهيل ؟
  وقد سألت العديد ممن كانوا في بيروت بفترة الحصار، ومنهم من هو شخص متقدم بالقيادة السياسية في هذه الفترة، وكان قائد ميدانياً أثناء حصار بيروت، وأكد لي أنه شاهد أبو الريش في منطقة الحمراء بفترة الاجتياح، وأكد لي ضابط قريب جدا مني وكان من القادة الميدانيين أيضا، أن أبو الريش كان يتواجد دوما في منطقة فردان والرملة البيضاء، ولم يشاهد أبداً في مربع الفاكهاني وهو مركز المقاومة الفلسطينية في بيروت، فما المعلومات القيّمة التي يمكن أن يحصل عليها شخص بمثل هذا الوضع ؟..أعتقد جازماً أننا خلقنا هذه "الكذبة" وصدقناها وحولناها إلى أسطورة، لنبرر كم المعلومات التي يمتلكها العدو عنا، بحيث أنه قصف أكثر من بناية تواجدت فيها القيادة الفلسطينية، وبشكل خاص الرئيس الشهيد أبو عمار، ولكن يصدف أن الرئيس يكون قد غادر قبل ا

المزيد


السينما الفلسطينية.. صراع ضد الأمواج

سبتمبر 23rd, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , زياد جيوسي

المخرجة "بثينة كنعان الخوري" أنموذجا
بقلم: زياد جيوسي
 

   لم يكن دخول المرأة إلى عالم السينما الفلسطينية معجزة كبيرة، فالمرأة الفلسطينية تميزت بمشاركتها الرجل في كافة ميادين النضال، ومن يتابع الحركة النسوية الفلسطينية، يجد أن المرأة الفلسطينية شاركت وما زالت تشارك، منذ بدايات القرن الماضي، جنباً إلى جنب مع الرجل.

  لكن أردت بهذا المقال الإشارة إلى المصاعب التي تواجهها السينما الفلسطينية عموما، ووجدت في المخرجة بثينة الخوري أنموذجاً، وحالة تمثل من خلال مسيرتها هذه المصاعب، فهي من الجيل الشاب الذي تفتحت عيناه على عالم السينما في ظل الاحتلال، ولم يعايش السينما الفلسطينية عبر تاريخها خصوصاً مرحلة تواجد الثورة الفلسطينية في لبنان. من هنا نجد أن الجيل الشاب انطلق بمسيرته بعيداً عن مؤسسات الثورة الفلسطينية، وفي مرحلة حاسمة من مسيرة الشعب الفلسطيني، فمعظم هذا الجيل السينمائي نبت وترعرع في ظل دخول السلطة الفلسطينية إلى الوطن إثر اتفاقات أوسلو، ومن هنا تميزت مسيرة بثينة الخوري، فهي بدأت مسيرتها في ظل الاحتلال وقبل وصول السلطة الفلسطينية إلى الوطن، ومعروف حجم المعيقات التي يضعها الاحتلال أمام المواطن العادي، فكيف أمام المبدعين الفلسطينيين، ففي فترة إعدادها فيلمها التسجيلي الأول الطويل"نساء في صراع"، واجهت معيقات الاحتلال الكبيرة، وتقول بثينة عن تلك العقبة: " أردت أن يكون لدي إمرأة محتجزة سابقة من غزة، لكن كما هومعروف، فالسلطات الإسرائيلية تمنع التنقلات بين الضفة الغربية وغزة، أردت أن تتكلم في فيلمي سجينة داخل السجون الإسرائيلية ولدت للتو مولودها الأول هناك، وكلت محاميةإسرائيلية، لكن كل الطلبات رفضت. استمرت هذه المسألة ستة أشهر".

وهذه ليست العقبة الوحيدة، فالمخرجة بثينة الخوري واجهت كماً من المعيقات دفعتها للصراع ضد الأمواج، ففي الانتفاضة الأولى وجدنا منطقاً يسود بالقول: "عندما توجد الانتفاضة، فإن كل شيء يصمت أمام الألم". تقول بثينة عن هذه المرحلة في أكثر من مقابلة صحافية أجريت معها: "أغلقت دور السينما بعد قليلمن بداية الانتفاضة الأولى العام 1987، حسب رأيي كان ذلك خطأً كبيراً، كان التفكيرالسائد في ذلك الوقت أنه لا يمكن أن نتسلى بينما الناس يقتلون. للأسف انتشر هذاالمنطق والبعض وصل إلى أقصى الحدود، أحرقوا سينما في غزة.. وهكذا أصبحنا أفقر ثقافيا،. الفن لا يجب أن يصمت في أي ظرف، على العكس من ذلك، يجب أن تؤلف وسيلة جديدة لمقارعة الاحتلال، ويجب أن نعرض الانتفاضة كعمل فني لمجتمع متكامل"، مضافاً إلى ذلك العقبات الاجتماعية المتعددة، ففي إحدى المقابلات الصحفية نجد سؤالا يوجه إليها حول عدم اختيارها نساء محجبات في فيلمها "نساء في صراع"، وهو سؤال يدلل على شرخ اجتماعي بدأ يسود المجتمع الفلسطيني، فتجيب بثينة: "لقد أردت أن أظهر الوجهة الأخرى لفلسطين، تلك التي يغيبها الإعلام في العالم الغربي بشكل ممنهج: المرأة دون حجاب، لأن المواطن في العالم الغربي يجب أن يفهم أن النساء لدينا لسن فقط المحجبات، والحجاب ليس علامة تأخر كما يصورونه، لكن هناك نساء يناضلن دون أن يلبسن الحجاب، وقد تعرضن للتعذيب ولا زلن يعانين إلى الآن، ولا يعتبرهن العالم الغربي حتى محررات، في العالم الغربي يبحثون عن ذرائع لتجاهلنا".

   وفي الفيلم


المزيد


"فيض" فيلم من إخراج لينا بخاري

أغسطس 31st, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , زياد جيوسي

زياد جيوسي ـ رام الله
   من خلال قطرات ماء تفيض على الجسد، إلى فيض من الأحذية المتأرجحة…   فماذا أرادت لينا بخاري بفيض أو فيضها ؟
   بدأت لينا تجربتها الأولى بالإشارة إلى تجدد الحياة بالخروج من تحت الماء لتمارس رياضة السير في شوارع رام الله، مبدية تعليقاتـها على بعض مما تراه ونراه معها..
   ولعل ما يلفت النظر تعليقها حول البيت القديـم المغلق الموحي بانعدام الحياة بداخله، ولكن الورود على الشرفة تشير إلى حياة رغم العزلة والظلام.
   ترجع بنا إلى مشغلها الصغير حيث الطين بأشكاله المختلفة، فهل أرادت لينا أن تشير إلى خلق حياة جديدة كما بدأت إشارتـها بالماء ؟
   الماء والطين! هما أصل الحياة، أم بلغ بها (الفيض) أن (تفيض) ما بنفسها من حياة سابقة؟
   ولكنها تبدي انفعالا واضحاً وعصبية واضحة بالتعامل مع الأسلاك التي تمثل العامود الفقري للطين الذي تحاول أن تـخلق منه حياة، كما أبدت الانفعالات نفسها بالتعامل مع مشاهد الحياة المختلفة أثناء تجوالها.
   تتنقل بنا لينا ما بين مشغلها واستراحتها وتداعيات شريط زفاف في الفيديو وكأنـها تستعيد ماض ما وذكرى ما.

المزيد


فيلم البيت المفقود لمخرجته وفاء جميل

أغسطس 5th, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , زياد جيوسي

بقلم زياد جيوسي ـ رام الله
 
   الفلسطيني الذي طرد من أرضه ووطنه لم يتملكه النسيان، هي ذاكرة المواطن في الشتات وفي المنافي والمخيمات، حافظ عليها وورثها لأبنائه كما ورثهم مفتاح الدار، الذي يحن لفتح الباب الذي افتقده، والفلسطيني يعلم أن بيته قد تهدم وقامت مكانه المستوطنات التي ضمت شذاذ الآفاق، الذين انسلوا من كل حدب وصوب فاستولوا على الأرض المقدسة واحتلوها، والبيوت التي لم تهدم وغالبيتها في المدن سكنها الغرباء…
   لكن الذاكرة الفلسطينية لم ولن تنسى، وفيلم البيت المفقود نموذج إنساني يروي القصة، قصة الطفلة التي لم تعرف مدينتها عكا، هذه المدينة التي صمدت أمام حصار نابليون بونابرت، وحين عجز عنها قذف قبعته من فوق الأسوار، قائلا عبارته المشهورة "إن لم يدخل نابليون عكا، فقبعته قد دخلتها"، فعكا التي تميزت بأسوارها وبالبحر الذي تقف شامخة على شاطئه، وكأنها أسد غاب يحمي غابته، كان لها في الموروث الشعبي الشيء الكثير، فدخلت الذاكرة الفلسطينية عبر الأجيال، كما دخلت الأمثال الشعبية فما زال المثل الشعبي متداولا " لو خافت عكا من هدير البحر ما سكنته".
   البيت المفقود يروي قصة بيت غادره الأب والأم، حاملين معهم الذكريات والمفتاح إلى مخيمات اللجوء في قطاع غزة، فحملت الابنة وفاء جميل العهد وحافظت عليه، فكان هذا الفيلم الذي يروي قصة وفاء جميل وهي تبحث عن بيتهم المفقود..
   " يجب أن أجد البيت الذي في عكا، هكذا أوصاني أبي"، هكذا يبدأ الفيلم الذي أخرجته وفاء وهي تقف على مشارف عكا، إذن هي وصية الآباء للأبناء، والأبناء لأبنائهم، إنها قصة التشبث بالحق المغتصب مهما طال الزمان، انه الإيمان بالحق وعدالة القضية، انه الذاكرة التي لا تنسى وتطبق المثل القائل "ما بموت حق وراه مطالب".
   كيف يمكن العثور على البيت المفقود، وهذه الشابة الصغيرة في العمر لم تعرف البيت ولم تكن مولودة لا في نكبة 1948 ولا في هزيمة 1967 ؟؟ ..إنها الذاكرة التي سمعتها من أهلها، الذين لم ينسوا بيتهم، وهي وصية الوالد الذي انتقل للعالم الآخر وهو يحلم بالعودة لبيته، أو عودة أبنائه إليه، المخرجة التي أصرت أن تكون هي نفسها التي تقوم في الدور، فهي تشعر أن لا أحد من حقه أن يقوم بالبحث عن بيتها غيرها، إنها وصية الأب الحنون في البحث عن البيت والعودة، فهي مخرجة ولكنها في عملية البحث لا تقوم بالتمثيل، إنها تقوم بالمهمة المقدسة، ومن هنا لم يكن هناك مشاهد تمثيل بمقدار ما هي أحاسيس ومشاعر حقيقية، تعتمد وفاء على ذاكرة الأهل أن البيت قرب مسجد الجزار ومكون من طابقين وساحة كبيرة، إضافة لذاكرة الحاجة التي استشهد أخوها في حيفا، وكيف تمت مغادرة البيوت تحت وطأة النيران وعمليات القتل التي مارسها الاحتلال.
 في مشاهد تعتمد على نقل صور لعكا، واسترجاع للذاكرة في أحاديث كثيرة في مخيم اللجوء، حيث وضع اللاجئون في تجمعات سكانية تفتقد أدنى متطلبات الحياة والكرامة، حتى أن دورات المياه مشتركة لكل السكان، مع انعدام وشح المياه للشرب فما البال في المسائل الحياتية الأخرى، وما بين مشاهد لعجائز بقين في عكا وتسألهن وفاء عن البيت، لكن بلا جدوى..فالذاكرة تعبت والسن له أحكامه، إلى مشاهد الأهل وهم يتحدثون عن عكا والبيت المفقود، تشعر وفا

المزيد