تُنشر الأخبار, والمقالات, والدراسات المُدرجة في مدونة سحر السينما بمُوافقةٍٍ شفهية,أو خطية مُُسبقة من مؤلفيها


السينما المصرية أزمة صناعة أم أزمة مجتمع .

أكتوبر 24th, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , ضياء حسني

 
 
بداية فنية وتحول رأسمالي.
 
ضياء حسني
 
يحتفل هذا العام بمرور مائة عام على بداية السينما المصرية و قد تم التأريخ لهذا البداية بفيلم عزيز دوريس التسجيلي (زيارة الخديوي عباس حلمي الثاني لمسجد المرسي أبو العباس ) و الذي تم تصويره في عام 1907 و بعيدا عن الجدل القائم حول ما أذا كان هذا الفيلم هو البداية الحقيقية للسينما المصرية، ألا أن فن السينما أو الاختراع المسمى السينماتوجراف ظهر في مصر مع بدايات القرن و في نفس وقت ظهوره في الخارج مع عروض بعثات تصوير الأخوين لوميير في عام 1896. كان الاهتمام بالسينما و عروضها منصب على الجاليات الأجنبية و جاءت المحاولات الأولي للمصريين للعمل في مجال السينما انطلاقا من الروح الوطنية المحبة للتقدم و أثبات أن المصريين هم على قدم المساواة مع الأجنبي من حيث قدراتهم علي مسايرة الحضارة و التقدم في كل المجالات و ليس كما يشيع عنهم الأجانب و المستعمرين و لعل نموذج محمد بيومي هو خير مثال مجسد لهذا المفهوم ، حيث سافر لدراسة السينما على حسابه الخاص في ألمانيا و عاد لينشأ شركة خاصة له تقوم بإنتاج الأفلام بل و مدرسة مجانية لتعليم من يرغب في تعلم أسس هذا الفن الجديد.
تبع ذلك رغبات الكثيرين من المصريين من أبناء الطبقات الراقية في تقديم أفلام مصرية صرفة سعيا وراء الشهرة و حبا في هذا الفن الجديد ألذي بدأ ينتشر انتشارا كبيرا ، و الغريب أن رواد الانطلاق المصري في هذا المجال كانوا من السيدات الذين كان لهم دور كبير في ذلك الوقت في الحركة الوطنية و البحث الدأب على تجسيد الشخصية الوطنية المصرية التي لم تتجسد بشكلها الكامل ألا من خلال ثورة 1919 . فسنجد في بدايات نهضة السينما المصرية أسماء مثل بهيجة حافظ و عزيزة أمير و أمينة محمد و غيرهم ممن ساهموا في إرساء اللبنة الأولي لهذا الفن في الواقع المصري.
مع بدايات ظهور الصوت في السينما بدأت السينما تأخذ منحي جديد يتخطى مجال تجارب محبي السينما من الهواة أو ممثلي المسرح الباحثين عن الخلود عبر الصورة السينمائية، فقد بدأت السينما تدخل مجال الاستثمار الرأسمالي بمعناه الواسع. يشير الكثيرين من مؤرخي السينما المصرية إلي الدور الذي لعبته شركات تسجيل الأسطوانات ( و التي كانت كلها أجنبية ) في دعم ظهور أفلام لمطربيها و بالذات أفلام الموسيقار محمد عبد الوهاب و التي كانت تطبع و تحمض و تسجل أغانيها في فرنسا هذا بالإضافة لمعدات الصوت التي كانت تشرف شركات الأسطوانات على كونها من أجود الأنواع لضمان نوعيات صوت نقية. اتسمت السينما الناطقة منذ البداية بكونها غنائية لأتسام الفن في مصر في ذلك الوقت بكونه غنائي مع وجود الفرق المسرحية الغنائية العديدة في مصر سواء تلك التي كانت في روض الفرج أو في عماد الدين، و مع ظهور السينما الناطقة بدأت السينما تعرف نظام النجم و لكن ليس النجم الخاص الذي خلقه هذا الفن الجديد نتيجة لانتشاره الجماهيري الواسع و لكن لدخول نجوم الغناء هذا المجال و بالتالي استغلت السينما شهرة هؤلاء النجوم كما أستغل النجوم السينما في الوصل للعديد من أفراد الشعب الذين لم يكن في استطاعتهم الوصول إليهم بسهولة ( كانت الإذاعة المصرية في بداياتها و لم يكن في مقدور الجميع الحصول على جهاز للراديو أو جرامافون لتشغيل الأسطوانات) و ذلك قبل أن تصنع السينما شهرة مطربيها أنفسهم و تجعل منهم نجوما و لعل أشهرهم على الإطلاق في تلك الفترة المطربة ليلي مراد و التي تدين لشهرتها الواسعة للسينما . كما لم يقتصر وجود النجم في السينما في ذلك الوقت على نجوم الطرب و الغناء بل أمتد ليشمل نجوم المسرح المشهورين أمثال يوسف وهبي و نجيب الريحاني و على الكسار الذي كانت السينما أكبر فرصة لانتشارهم الأوسع و تحقيقهم أرباح أكثر و ليس من الغريب أن الفيلمين اللذان يدار الجدل حول أيهما هو بداية السينما الناطقة في مصر ( أولاد الذوات – محمد كريم ) أو ( سيف الجلاد – يوسف وهبي ) يكون يوسف وهبي قاسم مشترك بينهما . كان الازدهار الاقتصادي لتلك الصناعة الجديدة هو الدافع لظهور كيانات اقتصادية في مجال صناعة السينما و تمثلت في نظام الأستوديو مع قيام أستوديو مصر عام 1935 و لكن التجربة لم يكتب لها النجاح وفشلت و اقتصرت على وجود الأستوديو نفسه فقط لتصوير و تحميض و طبع الأفلام و أصبحت السينما هي مجال للنشاط الفردي سواء في مجال الإنتاج أو ملكية الاستوديوهات و المعامل و التوزيع و دور العرض مع بعض الاستثناءات التي تمثلت في شخصيات مثل يوسف وهبي ألذي ساعده نجاحه على أنشاء أستوديو ( رمسيس ) و شركة إنتاج بنفس الاسم ولكن كل هذا كان موجه لأعماله الخاصة ( و التي كان يكتب معظمها و يخرجه و يمثل فيه ) و ليس الغرض منه قيام صناعة سينمائية بالمفهوم الرأسمالي لنظام الأستوديو المتعارف عليه، و بالتالي عندما خفتت نجومية يوسف وهبي انتهت إمبراطورته السينمائية. السينما المصرية منذ الأربعينات و بالتحديد في الخمسينيات و الستينيات من هذا القرن كانت هي السينما العربية الوحيدة التي تصنع للتوزيع في السوق على نطاق واسع و كبير وبالتالي كانت هي سينما العرب حيث لعبت دورا كبيرا في إيقاظ الهوية العربية عند الكثير من الشعوب العربية التي كانت واقعة تحت الاستعمار و بالذات شعوب المغرب العربي اللذين كانوا يتقون شوقا للاستماع إلي الحوار باللغة العربية و الغناء العربي من خلال السينما المصرية. و بالتالي فأنه و منذ اللحظة الأولي فأن السوق الخارجي يلعب دورا مهما في تشكيل اقتصاديات السينما المصرية و طبيعة أفلامها و نوعية الموضوعات التي تطرحها مع بعض الاستثناءات النادرة و التي كان في معظمها يفرضها وجود نجم كبير ذو جماهيرية تجعل من أفلامه ذات أرباح متوقعة مرتفعة، و قد غلب على أفلام فترة الأربعينيات و الخمسينيات بل و حتى بعض أفلام الستينيات وجود رقصات شرقيات و مطربين و أحداث تدور في الكابريهات و الملاهي الليلية من أجل تلبية رغبات الموزع الخارجي الذي كان يشترط ذلك في الكثير من الأفلام لتوزيعها خارجيا.
 
الثورة و تغير المجتمع
 
الأمر أختلف بعض الشيء مع قيام ثورة يوليو ودخول فصيل اجتماعي كبير لسوق مستهلكي السينما و ظهرت معه دور العرض الخاصة به في الريف و الأحياء الشعبية داخل المدن و هي تلك الدور التي عرفت ( بسينما الدرجة الثالثة ) و هنا أخذت السينما المصرية تتناول شخصيات و موضوعات لم تكن تتناولها مثل موضوعات المخدرات و تهريبها و أفلام الحارات الشعبية و فتح الباب أم شخصيات جديدة لتأخذ دور البطولة مثل الجنود الصغار و أولاد البلد ليكونوا هم محور العمل السينمائي دون أن ينتقلوا من واقعهم الاجتماعي لواقع الطبقات العليا كما كان يحدث في معظم أفلام ما قبل الثورة من خلال الإرث أو نتيجة لموهبتهم في الغناء أو الرقص. هذا التحول دعم من إيرادات السينما المصرية في السوق المصري لتأتي بعد ذلك تجربة سينما القطاع العام لتقدم سينما جديدة من حيث النوعية مع دخول الريف المصري ضمن الموضوعات التي تتناولها السينما المصرية مع أفلام مثل الحرام و الأرض و جفت الأمطار و يوميات نائب في الأرياف و غيرها و هي أعمال اعتمدت في معظمها على الأصل الأدبي ،وجاء ذلك نتيجة لأن المنتج و هو الدولة لم يكن له نفس مقاييس الربح و الخسارة التي كانت عند المنتج الخاص الذي كان بفكر أولا في الجمهور من دافعي أرباح شباك التذاكر و الذي لم يكن منهم بالطبع سكان الريف الذي تدور عنهم الموضوعات التي تناولتها الأفلام السابق ذكرها فقد كانت الطبقة المتوسطة في الأغلب و الأعم هي الوقود الدافع لأرباح شباك التذاكر إلي الأمام.
بعد النكسة تقلص إنتاج الدولة إلي أن مات مع إلغاء القطاع العام و أنحسر الإنتاج الخاص لتقلص السوق مع زيادة الأنفاق على المجهود الحربي ولم تشهد تلك الفترة نجاحات مدوية إلا مع فيلمين ( أبي فوق الشجرة ) و ( خلي بالك من زوزو ) الأول بسبب وجود نجم الجماهير الأول و مطربها المفضل عبد الحليم حافظ و الثاني بسبب ظروف المجتمع نفسه الذي تحول في تلك الفترة إلي مجتمع تحتل فيه النساء مكانة مميزة من بعد تجنيد معظم الشباب و احتلال النساء لمكانة مهمة في عجلة تسير المجتمع سواء اقتصاديا أو أسريا من بعد خروج الم

المزيد