خسارة تاريخية فادحة لسينما العالم الثالث
البَحَّار الفقير أَبُ السينما الأفريقية المستقلة*
عبدالله حبيب

"إنني أسائل نفسي باستمرار. لا أبحث عن مدرسة ولا عن حل بل أوجه أسئلة وأجعل الآخرين يفكرون".
-عثمان سمبين-
لا شك أن جلل الخطب والقامة الباسقة والعالية للراحل الكبير يقتضيان ما هو أكثر وأعمق من هذه المادة، لكن اللجوء إلى "أضعف الإيمان" والحد الأدنى حيث لا حول ولا قوة أمام الموت وعدم مواتاة الظرف الشخصي هو المتاح للمرء راهناً، خاصة في ظل تجاهل الخبر الحزين في الغالب المغلوب من صحافة بقعة كبيرة من الأرض كان الراحل، وهو بالمناسبة أحد الموقعين على بيان قرطاج السينمائي، قد زار بعضاً منها وأودع فيها كلّها الكثير من أحلامه وطموحاته ومراهناته على مستقبل إنساني أفضل، أعني الصحافة العربية السادر جُلُّها في تغطية وتبهير وتتبيل أخبار راقصات وفنانات الـ "هشّك بشّك" من فوق ومن تحت وما بينهما.
إذاً فقد توفي عثمان سمبين، المخرج السينمائي الأفريقي الأشهر باستحقاق شديد، بل وأول المخرجين الأفارقة الذين تمكنوا ضمن تحديات كانت تبدو مستحيلة لفرط صعوبتها من وضع صورة الأفريقي على الشاشة باعتبارها ذاتاً خلاقة فاعلة وليس موضوعاً غَيْرِيَّاً و"إكزوتيكيَّاً". يتذكر المرء هنا ان المناضل والمثقف الإفريقي الأشهر فرانز فانون الذي دُفِنَ في الجزائر بناء على رغبته كان قد كتب مرة انه كان يصاب "بالرعب" حين يرى صورة الإفريقي على الشاشة. توفي سمبين في منزله الصغير والمتواضع في دكَّار، عاصمة بلاده السنغال، بسبب تعقيدات صحية ناجمة عن إصابته الطويلة بمرض السرطان عن عمر بلغ أربعة وثمانين عاماً (وهذا عمرٌ، على الرغم من مديده الظاهري، قصير للغاية بالنظر إلى ما كان سمبين مؤهلاً وناضجاً للقيام به لو أمهله العمر وتوفرت له الإمكانيات الإنتاجية أكثر). توفي عثمان سمبين، إذاً، في وقت متأخر من يوم السبت 9 يونيو 2007. وقد جاء خبر الوفاة (ربما بناء على رغبة سمبين نفسه المعروف بنأيه المتطرف بذاته عن كل ما هو سُلطوي ورسمي) عبر نعي شخصي قصير صادر من عائلة الفقيد وليس من الحكومة السنغالية التي احترمته وأعجبت به دوماً (لكن من دون أن تستطيع مجرد احتواءه نسبيَّاً على الأقل، هذا ناهيك عن شراء ذمتِّه وتدجين نزعته النقدية أو تجييرها لصالحها) وغضبت عليه واستاءت منه (لكن من دون أن تتمكن من أن تنكر أهميته أو تحدَّ من شعبيته والتقدير الذي ناله في بلاده بل وفي بلاد الأرض قاطبة، بل أنها كانت تزهو وتفاخر به العالم حتى في بعض اجتماعات منظمة الأمم المتحدة). بهذا المعنى يقف عثمان سمبين بقامته المُتَرَفِعَّة الرفيعة مثالاً فريداً على شروط الكبرياء والأنفة والنزاهة والمواقف السياسية والفكرية المبدئية والأخلاقية العالية في تعامل المثقف مع السُّلطة خاصة في بلدان العالم الثالث التي لا يحتفظ فيها كثير من المثقفين بسجل شريف نظيف في علاقتهم بالمؤسسة للأسف الشديد، بل انهم يساهمون بسخاء مقبوض الثَّمن نهاراً جهاراً في ستر عوراتها وتجميلها ومأسستها الديكورية الحداثيَّة الكاذبة أمام الرأي العام محليَّاً وخارجيَّاً. وقد دفن سمبين صباح يوم الإثنين 11 يونيو بحضور عدد كبير من رجالات السياسة والفكر والثقافة التاريخيين السنغاليين وغيرهم من أقرانهم الأفارقة الذين توافدوا إلى دكَّار في مدة قصيرة من مختلف بقاع القارة السمراء للمشاركة في تشييع سمبين الذي اكتسب احترامهم العميق وتقديرهم وإعجابهم بجدارة عالية طوال مسيرته الإنسانية والسياسية والإبداعية الاستثنائية والمذهلة.
وفي مراسم الدفن صرَّح عبدو ضيوف، الرئيس السنغالي السابق قائلاً انه "لقد خسرت افريقيا واحداً من أعظم مخرجيها السينمائيين"، وأضاف ما يعرفه الجميع تقريباً وهو أن القارة الأفريقية "فقدت مُدَافِعاً متوهجاً عن الحرية والعدالة الاجتماعية". أما شيخ عمر سيسوكو، المخرج السينمائي الأفريقي المعروف ووزير الثقافة في جمهورية مالي وصديق سمبين القديم الذي أصر على حضور الجنازة، فقد قال ببساطة: "لقد فقدت السينما الأفريقية واحداً من فناراتها"، وأضاف مُلَخِّصَاً المشروع التاريخي والجمالي للراحل الكبير: "لقد قاد سمبين أفريقيا نحو فهم هويَّتها وبناء أفقها الثقافي". أما بابا هاما، الأمين العام لمهرجان أوغادوغو السينمائي في جمهورية بوركينا فاسو والذي أصرَّ بدوره على السفر إلى دكَّار بسرعة وإلقاء النظرة الأخيرة على صديقه القديم سمبين والمشاركة في تشييعه إلى مثواه الأخير، فقد أوجز مسيرة الراحل الكبير في كلمات قليلة وعميقة: "لقد كان سمبين نموذجاً للنضال، والحب، والتواضع".
سؤال الميلاد، قلق الهوية

ولد عثمان سمبين في منطقة زيغوينشور من إقليم كاسامانسي النَّهري في شمال السنغال في الأول من يناير عام 1923 لأب مسلم متديِّن يعمل صياد أسماك نهريَّاً، وكان عمُّه فقيهاً وعالم دين مسلم كبير خابت مراهناته وطموحاته الكثيرة في أن يخلِفه سمبين الصغير والشقي والرافض والمتمرد والقَلِق. وقد تركت صدفة الميلاد لعائلة مسلمة ضمن هذه الحيثيات الخاصة بصماتها وقلقها المتأججين على أوجه حياة سمبين الشخصية، والسياسية، والفكرية، والفنية اللاحقة مع انضوائه تحت راية الفكر الماركسي في وقت مبكر واعتناقه للأفكار العلمانيَّة والحداثيَّة في بلاد ذات تراث ديني جدلي متضارب، وتعاني- فوق ذلك- من توترات دينية وعرقية وطائفية كثيرة بين سكانها المسيحيين والمسلمين إن في مرحلتها الكولونيالية أو خلال فترة الدولة الوطنية المستقلة. وفي السياق هذا يقدم سمبين في فيلمه الملحمي "تشيدو" المنجز في 1977 (وتعني المفردة "الأجانب" بلغة الوولوف الأفريقية وهي اللغة المحليَّة الأولى في السنغال) الذي يعتبره كثير من النقاد التحفة السينمائية الأهم في أعمال المخرج الراحل قراءة إشكاليَّة جريئة لأوجه التأثير الإسلامي والاستعمار الأوروبي على التاريخ والثقافة الإفريقيين، ويسلط الضوء على حقيقة ان تجارة الرقيق المرتبطة بمشروعات "الهداية الدينيَّة" إنما تشكلان عصب تاريخ أفريقيا الحديث واصطدامها بالعالم الخارجي. وقد أثار هذا الفيلم الكثير من الجدل في السنغال، وتم منعه لسنوات طويلة خاصة وأن أحد الممثلين فيه يشبه تماماً ليوبولد سنجور، أول رئيس سنغالي.
لقد كان سمبين يبحث بكَدّ ودأب وعناد جليل عن "افريقيا الأولى" التي هي، من وجهة نظر الكثيرين بمن فيهم شخصي المتواضع، ضَرْبٌ من الحنين النبيل الموجع والمستحيل، وصورة مرآويَّة مثاليَّة (وإن كانت "المثاليَّة" ليست كلمة سيئة بالضرورة). والحقيقة أن سمبين تراجع إلى حدود كبيرة عن فكرة "النقاء" في أواخر حياته حيث صرَّح في 2005، مثلاً، ان "مقولات النقاء قد أصبحت شيئاً ماضويَّاً".
لكن الحقيقة أيضاً هي أن سمبين، ومنذ فيلمه الروائي الطويل الأول "بنت سوداء" (1966) أخذ يلجأ إلى استعمال وتجذير الأيقونات والرموز الدينية المحلية والثقافية الشعبية الإفريقية في مرحلة ما قبل وصول الديانات التوحيدية الكبرى (الإسلام والمسيحية واليهودية) إلى القارة السوداء وذلك في عودة واستدعاء أسطوريين للذات الإفريقية القديمة عبر منابعها الثقافية والروحية الأولى التي من المفروغ منه انها شكّلت الكثير من اللَّبِنَات الأولى للحضارة البشرية كما نعرفها اليوم. فلنتذكر، مثلاً، كتاب مارتن بيرنال الإنقلابي القيِّم "أثينا السوداء: الجذور الأفرو-آسيويَّة للحضارة الكلاسيكية". يتذكر المرء في هذا السياق على سبيل المثال ذلك الإنشاد الترتيلي الجماعي الأفريقي الجليل بينما الشاشة مغمورة بالسواد في مفتتح فيلمه "بوروم ساريه" (1963). لقد كان ذلك الإنشاد المهيب يتدفق عبر ما يمكن وصفه بأنه مُرَافََََقَََة للتكوين ومُلازَمَة له. ويتذكر المرء أيضاً صورة ايقونيَّة ميثولوجيَّة أفريقية تَرِدُ بصريَّاً بصورة يبدو للمشاهد العابر انها عابرة، لكنها في الحقيقة في غاية الحذق على الرغم من سرعتها، في فيلمه البديع "خالا" (1974). وتبرز كذلك أسئلة الدين والتباساتها وانعكاساتها العاتية على كافة شؤون الحياة في واحد من أفلام سمبين المتأخرة هو "غويلوار: أسطورة أفريقية للقرن الواحد والعشرين" (1992). و"غويلوار" هو اسم شخصية لقسٍّ كاثوليكي راديكالي سياسياً يبدأ الفيلم بموتها ودفنها بطريق الخطأ في مقبرة إسلامية، لتتابع بعد ذلك أحداث الفيلم معرِّية التوترات الدينية والتاريخية بين المسلمين والمسيحيين وإعاقتها لبناء الدولة ما بعد الكولونيالية الحديثة في السنغال، وكذلك معرِّية التوترات بين المسلمين والمسيحيين من جهة، ومنظمات الإغاثة الدولية العاملة في إفريقيا ما بعد الكولونيالية من جهة أخرى. لقد هاجم سمبين في عدة مناسبات منظمات الإغاثة الدولية تلك قائلاً انه لا يستطيع أن يفهم كيف ان أفريقيا، وهي سلَّة غذاء العالم، تتقبل معونات غذائية من الشرق والغرب في استكمال مرير للتعهير الذاتي في الحقبة ما بعد الكولونيالية ("إفريقيا عاهرة لكني أحبها" كما قال في محاضرة له في معهد الفيلم البريطاني ألقاها وهو مرتدياً زيَّاً أفريقيَّاً شعبيَّاً بسيطاً).
وبالنسبة إليَّ عليَّ الاعتراف هنا انه ظلَّ هناك دوماً ما يقلقني في هذا الفيلم (اي "غويلوار")، حيث بدا لي ان سمبين قد وقع فيه في أفخاخ "مفاضَلات اضطرارية" من نوع ما، بل انها تكاد تكون مانويَّة في بعض المشاهد. وقد كنت أنوي إثارة قلقي مع سمبين مباشرة حيث حجزت لي موعداً معه حين كان يُزمَع حضوره للمشاركة في مهرجان كبير عن أعماله أقامته جامعة كاليفورنيا في لوس أنجيليس في 1997، غير انه للأسف ولسوء حظي تعرض الرجل لأزمة صحية مفاجئة اضطرته للاعتذار عن الحضور الذي أنابه فيه الفونس كاواويسي تيكبيتي، وهو ناقد سينمائي افريقي كان قد ألف كتاباً بعنوان "الالتزام الاجتماعي والسياسي في أعمال عثمان سمبين". غير ان الأستاذ تيكبيتي لم يقتنع بوجهة نظري التي أثرتها ضمن مناقشات المهرجان، كما اني في المقابل لم أكن متحمساً لدفا

















