تُنشر الأخبار, والمقالات, والدراسات المُدرجة في مدونة سحر السينما بمُوافقةٍٍ شفهية,أو خطية مُُسبقة من مؤلفيها


وداعاً عثمان سمبين

أكتوبر 15th, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , عبد الله حبيب

 

 

خسارة تاريخية فادحة لسينما العالم الثالث
            
  البَحَّار الفقير أَبُ السينما الأفريقية المستقلة*
 
                                          عبدالله حبيب
 
نني أسائل نفسي باستمرار. لا أبحث عن مدرسة ولا عن حل بل أوجه أسئلة وأجعل الآخرين يفكرون".
-عثمان سمبين-
 
لا شك أن جلل الخطب والقامة الباسقة والعالية للراحل الكبير يقتضيان ما هو أكثر وأعمق من هذه المادة، لكن اللجوء إلى "أضعف الإيمان" والحد الأدنى حيث لا حول ولا قوة أمام الموت وعدم مواتاة الظرف الشخصي هو المتاح للمرء راهناً، خاصة في ظل تجاهل الخبر الحزين في الغالب المغلوب من صحافة بقعة كبيرة من الأرض كان الراحل، وهو بالمناسبة أحد الموقعين على بيان قرطاج السينمائي، قد زار بعضاً منها وأودع فيها كلّها الكثير من أحلامه وطموحاته ومراهناته على مستقبل إنساني أفضل، أعني الصحافة العربية السادر جُلُّها في تغطية وتبهير وتتبيل أخبار راقصات وفنانات الـ "هشّك بشّك" من فوق ومن تحت وما بينهما.
إذاً فقد توفي عثمان سمبين، المخرج السينمائي الأفريقي الأشهر باستحقاق شديد، بل وأول المخرجين الأفارقة الذين تمكنوا ضمن تحديات كانت تبدو مستحيلة لفرط صعوبتها من وضع صورة الأفريقي على الشاشة باعتبارها ذاتاً خلاقة فاعلة وليس موضوعاً غَيْرِيَّاً و"إكزوتيكيَّاً". يتذكر المرء هنا ان المناضل والمثقف الإفريقي الأشهر فرانز فانون الذي دُفِنَ في الجزائر بناء على رغبته كان قد كتب مرة انه كان يصاب "بالرعب" حين يرى صورة الإفريقي على الشاشة. توفي سمبين في منزله الصغير والمتواضع في دكَّار، عاصمة بلاده السنغال، بسبب تعقيدات صحية ناجمة عن إصابته الطويلة بمرض السرطان عن عمر بلغ أربعة وثمانين عاماً (وهذا عمرٌ، على الرغم من مديده الظاهري، قصير للغاية بالنظر إلى ما كان سمبين مؤهلاً وناضجاً للقيام به لو أمهله العمر وتوفرت له الإمكانيات الإنتاجية أكثر). توفي عثمان سمبين، إذاً، في وقت متأخر من يوم السبت 9 يونيو 2007. وقد جاء خبر الوفاة (ربما بناء على رغبة سمبين نفسه المعروف بنأيه المتطرف بذاته عن كل ما هو سُلطوي ورسمي) عبر نعي شخصي قصير صادر من عائلة الفقيد وليس من الحكومة السنغالية التي احترمته وأعجبت به دوماً (لكن من دون أن تستطيع مجرد احتواءه نسبيَّاً على الأقل، هذا ناهيك عن شراء ذمتِّه وتدجين نزعته النقدية أو تجييرها لصالحها) وغضبت عليه واستاءت منه (لكن من دون أن تتمكن من أن تنكر أهميته أو تحدَّ من شعبيته والتقدير الذي ناله في بلاده بل وفي بلاد الأرض قاطبة، بل أنها كانت تزهو وتفاخر به العالم حتى في بعض اجتماعات منظمة الأمم المتحدة). بهذا المعنى يقف عثمان سمبين بقامته المُتَرَفِعَّة الرفيعة مثالاً فريداً على شروط الكبرياء والأنفة والنزاهة والمواقف السياسية والفكرية المبدئية والأخلاقية العالية في تعامل المثقف مع السُّلطة خاصة في بلدان العالم الثالث التي لا يحتفظ فيها كثير من المثقفين بسجل شريف نظيف في علاقتهم بالمؤسسة للأسف الشديد، بل انهم يساهمون بسخاء مقبوض الثَّمن نهاراً جهاراً في ستر عوراتها وتجميلها ومأسستها الديكورية الحداثيَّة الكاذبة أمام الرأي العام محليَّاً وخارجيَّاً.  وقد دفن سمبين صباح يوم الإثنين 11 يونيو بحضور عدد كبير من رجالات السياسة والفكر والثقافة التاريخيين السنغاليين وغيرهم من أقرانهم الأفارقة الذين توافدوا إلى دكَّار في مدة قصيرة من مختلف بقاع القارة السمراء للمشاركة في تشييع سمبين الذي اكتسب احترامهم العميق وتقديرهم وإعجابهم بجدارة عالية طوال مسيرته الإنسانية والسياسية والإبداعية الاستثنائية والمذهلة. 
وفي مراسم الدفن صرَّح عبدو ضيوف، الرئيس السنغالي السابق قائلاً انه "لقد خسرت افريقيا واحداً من أعظم مخرجيها السينمائيين"، وأضاف ما يعرفه الجميع تقريباً وهو أن القارة الأفريقية "فقدت مُدَافِعاً متوهجاً عن الحرية والعدالة الاجتماعية". أما شيخ عمر سيسوكو، المخرج السينمائي الأفريقي المعروف ووزير الثقافة في جمهورية مالي وصديق سمبين القديم الذي أصر على حضور الجنازة، فقد قال ببساطة: "لقد فقدت السينما الأفريقية واحداً من فناراتها"، وأضاف مُلَخِّصَاً المشروع التاريخي والجمالي للراحل الكبير: "لقد قاد سمبين أفريقيا نحو فهم هويَّتها وبناء أفقها الثقافي". أما بابا هاما، الأمين العام لمهرجان أوغادوغو السينمائي في جمهورية بوركينا فاسو والذي أصرَّ بدوره على السفر إلى دكَّار بسرعة وإلقاء النظرة الأخيرة على صديقه القديم سمبين والمشاركة في تشييعه إلى مثواه الأخير، فقد أوجز مسيرة الراحل الكبير في كلمات قليلة وعميقة: "لقد كان سمبين نموذجاً للنضال، والحب، والتواضع".
 
سؤال الميلاد، قلق الهوية
ولد عثمان سمبين في منطقة زيغوينشور من إقليم كاسامانسي النَّهري في شمال السنغال في الأول من يناير عام 1923 لأب مسلم متديِّن يعمل صياد أسماك نهريَّاً، وكان عمُّه فقيهاً وعالم دين مسلم كبير خابت مراهناته وطموحاته الكثيرة في أن يخلِفه سمبين الصغير والشقي والرافض والمتمرد والقَلِق. وقد تركت صدفة الميلاد لعائلة مسلمة ضمن هذه الحيثيات الخاصة بصماتها وقلقها المتأججين على أوجه حياة سمبين الشخصية، والسياسية، والفكرية، والفنية اللاحقة مع انضوائه تحت راية الفكر الماركسي في وقت مبكر واعتناقه للأفكار العلمانيَّة والحداثيَّة في بلاد ذات تراث ديني جدلي متضارب، وتعاني- فوق ذلك-  من توترات دينية وعرقية وطائفية كثيرة بين سكانها المسيحيين والمسلمين إن في مرحلتها الكولونيالية أو خلال فترة الدولة الوطنية المستقلة. وفي السياق هذا يقدم سمبين في فيلمه الملحمي "تشيدو" المنجز في 1977 (وتعني المفردة "الأجانب" بلغة الوولوف الأفريقية وهي اللغة المحليَّة الأولى في السنغال) الذي يعتبره كثير من النقاد التحفة السينمائية الأهم في أعمال المخرج الراحل قراءة إشكاليَّة جريئة لأوجه التأثير الإسلامي والاستعمار الأوروبي على التاريخ والثقافة الإفريقيين، ويسلط الضوء على حقيقة ان تجارة الرقيق المرتبطة بمشروعات "الهداية الدينيَّة" إنما تشكلان عصب تاريخ أفريقيا الحديث واصطدامها بالعالم الخارجي. وقد أثار هذا الفيلم الكثير من الجدل في السنغال، وتم منعه لسنوات طويلة خاصة وأن أحد الممثلين فيه يشبه تماماً ليوبولد سنجور، أول رئيس سنغالي. 
لقد كان سمبين يبحث بكَدّ ودأب وعناد جليل عن "افريقيا الأولى" التي هي، من وجهة نظر الكثيرين بمن فيهم شخصي المتواضع، ضَرْبٌ من الحنين النبيل الموجع والمستحيل، وصورة مرآويَّة مثاليَّة (وإن كانت "المثاليَّة" ليست كلمة سيئة بالضرورة). والحقيقة أن سمبين تراجع إلى حدود كبيرة عن فكرة "النقاء" في أواخر حياته حيث صرَّح في 2005، مثلاً، ان "مقولات النقاء قد أصبحت شيئاً ماضويَّاً".
 لكن الحقيقة أيضاً هي أن سمبين، ومنذ فيلمه الروائي الطويل الأول "بنت سوداء" (1966) أخذ يلجأ إلى استعمال وتجذير الأيقونات والرموز الدينية المحلية والثقافية الشعبية الإفريقية في مرحلة ما قبل وصول الديانات التوحيدية الكبرى (الإسلام والمسيحية واليهودية) إلى القارة السوداء وذلك في عودة واستدعاء أسطوريين للذات الإفريقية القديمة عبر منابعها الثقافية والروحية الأولى التي من المفروغ منه انها شكّلت الكثير من اللَّبِنَات الأولى للحضارة البشرية كما نعرفها اليوم. فلنتذكر، مثلاً، كتاب مارتن بيرنال الإنقلابي القيِّم "أثينا السوداء: الجذور الأفرو-آسيويَّة للحضارة الكلاسيكية". يتذكر المرء في هذا السياق على سبيل المثال ذلك الإنشاد الترتيلي الجماعي الأفريقي الجليل بينما الشاشة مغمورة بالسواد في مفتتح فيلمه "بوروم ساريه" (1963). لقد كان ذلك الإنشاد المهيب يتدفق عبر ما يمكن وصفه بأنه مُرَافََََقَََة للتكوين ومُلازَمَة له. ويتذكر المرء أيضاً صورة ايقونيَّة ميثولوجيَّة أفريقية تَرِدُ بصريَّاً بصورة يبدو للمشاهد العابر انها عابرة، لكنها في الحقيقة في غاية الحذق على الرغم من سرعتها، في فيلمه البديع "خالا" (1974). وتبرز كذلك أسئلة الدين والتباساتها وانعكاساتها العاتية على كافة شؤون الحياة في واحد من أفلام سمبين المتأخرة هو "غويلوار: أسطورة أفريقية للقرن الواحد والعشرين" (1992). و"غويلوار" هو اسم شخصية لقسٍّ كاثوليكي راديكالي سياسياً يبدأ الفيلم بموتها ودفنها بطريق الخطأ في مقبرة إسلامية، لتتابع بعد ذلك أحداث الفيلم معرِّية التوترات الدينية والتاريخية بين المسلمين والمسيحيين وإعاقتها لبناء الدولة ما بعد الكولونيالية الحديثة في السنغال، وكذلك معرِّية التوترات بين المسلمين والمسيحيين من جهة، ومنظمات الإغاثة الدولية العاملة في إفريقيا ما بعد الكولونيالية من جهة أخرى. لقد هاجم سمبين في عدة مناسبات منظمات الإغاثة الدولية تلك قائلاً انه لا يستطيع أن يفهم كيف ان أفريقيا، وهي سلَّة غذاء العالم، تتقبل معونات غذائية من الشرق والغرب في استكمال مرير للتعهير الذاتي في الحقبة ما بعد الكولونيالية ("إفريقيا عاهرة لكني أحبها" كما قال في محاضرة له في معهد الفيلم البريطاني ألقاها وهو مرتدياً زيَّاً أفريقيَّاً شعبيَّاً بسيطاً).
وبالنسبة إليَّ عليَّ الاعتراف هنا انه ظلَّ هناك دوماً ما يقلقني في هذا الفيلم (اي "غويلوار")، حيث بدا لي ان سمبين قد وقع فيه في أفخاخ "مفاضَلات اضطرارية" من نوع ما، بل انها تكاد تكون مانويَّة في بعض المشاهد. وقد كنت أنوي إثارة قلقي مع سمبين مباشرة حيث حجزت لي موعداً معه حين كان يُزمَع حضوره للمشاركة في مهرجان كبير عن أعماله أقامته جامعة كاليفورنيا في لوس أنجيليس في 1997، غير انه للأسف ولسوء حظي تعرض الرجل لأزمة صحية مفاجئة اضطرته للاعتذار عن الحضور الذي أنابه فيه الفونس كاواويسي تيكبيتي، وهو ناقد سينمائي افريقي كان قد ألف كتاباً بعنوان "الالتزام الاجتماعي والسياسي في أعمال عثمان سمبين". غير ان الأستاذ تيكبيتي لم يقتنع بوجهة نظري التي أثرتها ضمن مناقشات المهرجان، كما اني في المقابل لم أكن متحمساً لدفا

المزيد


وداعاً سوزَن سونتاغ!

أكتوبر 1st, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , عبد الله حبيب

المادة المنشورة أدناه هي واحدة من مواد كتاب جديد لعبدالله حبيب سيصدر قريباً بعنوان "رحيل". وهذه المادة المتعلقة بالمفكرة الأمريكية الراحلة سوزَن سونتاغ تلقي بعض الضوء على سياسات السينما من زاوية نظرية محدَّدة. علماً بأن الكتاب يتضمن أربع عشرة مادة توديعيَّة لأربعة عشر شخصاً رحلوا عن هذا العالم. وقد تقاطعت حياة الكاتب مع حيوات أولئك الراحلين شخصياً، أو فكرياً، أو سياسياً، أو نفسياً، أو غير ذلك.
 
وداعاً سوزَن سونتاغ!
 
 
عبدالله حبيب
 
-1-
 
        حين غيَّب السرطان ممدوح عدوان، كنت حزيناً مثلكم؛ بل إن حزني كان شبه شخصيٍّ على الرغم من أني لم ألتق بالراحل الكبير سوى في كتبه. ما جعل الحزن شبه شخصيٍّ هو أني، لبضع سنوات صاخبة خَلَتْ، اعتدت على الصراخ بعنوان مجموعة ممدوح عدوان الشعريَّة "لا بد من التفاصيل" التي كنت أُشْهِرُها بطريقةٍ سورياليَّة وعبثيَّة، كما لو كانت سيفاً بتَّاراً، في وجه من لا يروق لي كلامه، أو محاججته،أو حتى شكله وطريقة ضحكته أو نوع هندامه أحياناً. ثم إن قراءتي لمذكرات نيكوس كازانتزاكيس، بترجمة ممدوح عدوان البديعة، شكّلت تحولاً عميقاً لدي، فقد مسَّت تلك المذكرات شغافي.
        وعندما غيَّب السرطان ممدوح عدوان بعث إليَّ الزميل المحرر الثقافي برسالة إليكترونية يتساءل فيها عما إذا كنت أريد أن أكتب شيئاً عن الفقد والفقيد، فكان ردي الصادق الصدوق هو الاعتذار بسبب الضغوط والالتزامات الدراسيَّة التي لم تكن لتتيح لي أي وقت، خاصة وأني كنت قد فرغت من كتابة مادتي لعدد ذلك الأسبوع.
        هذا العذر، أو الاعتذار، كان صحيحاً وأميناً وصادقاً. لكن الحقيقة، أيضاً، هو أنه كان هناك سبب ثانٍ لا يقل وجاهة؛ ففي ما يشبه النَّزَقَ المتطرف وغير العقلاني صرت أكره مرض السرطان أكثر من كراهية الجِنِّي للثوم كما نقول في عُمان؛ ولذلك فإني لو كتبت مادة مفتَرضة عن ممدوح عدوان فإنها كانت ستكون مادة حانقة، شتميَّة، مقذعة، وقليلة الأدب للسرطان، عوضاً عن أن تكون تأبيناً لممدوح عدوان. طبعاً، لا يحب المرء أي مرض أو اعتلال بدءاً بالزكام وانتهاء بتليُّف الكبد؛ لكن عدوانيَّة السرطان، ومجانيَّته الماجنة والعابثة، وآليَّات هجومه عليك، والعجز الطبي أمامه، أضحت فظيعة فعلاً، بحيث إني صرت أدندن بتنويع على البيت العربي الشهير هكذا: "ومن لم يمت بالسرطان مات بسرطانٍ غيره/ تعددت الأسباب والموتُ سرطانُ". 
        حين يموت أحدهم بسبب الانفجار المفاجىء لزائدته الدوديَّة، مثلاً، فإنك تحزن للوفاة، لكنك لا تستطيع أن تكره الزائدة الدودية التي تذكِّرك بشيء من مخلَّفات العصر النباتي للبشريَّة!. وحين يتوفى أحدهم في حادث سيارة فإنك لا تستطيع أن تمقت الحداثة، وصناعة الاتصالات والمواصلات (على الأقل ليس بصورة مباشرة)، بل تحاول أن تفهم الظروف التي حصل فيها الحادث المؤسف. أما فيما يخص السرطان فإن الأمر مختلف. وحين رحل ممدوح عدوان، لم أكن أدري أن المرض الخبيث ستكون له جولة أخرى من القسوة تعنيني حتى قبل أن يجف ثرى الشاعر.
 
-2-
        قبل بداية العام الجديد [2005] بثلاثة أيام، إذن، وعن عمر بلغ واحداً وسبعين عاماً، رحلت سوزَن سونتاغ تحت وطأة هذا السرطان المقيت، الشرير، الفظيع الذي صار كثيراً ما يصيب النساء في أثدائهن اللائي منحننا، رجالاً ونساء، الإنسانية عبر الحياة وحليب الأمومة، والرغبة، والمتعة، والشِّعر. حقاً، حين يتعلق الأمر بسرطان الثَّدي والرَّحِم (والثاني أيضاً أصاب سونتاغ)، ليس هناك من مجال للقول سوى أن الكون لم يعد "ضّيقاً" فحسب كما تنبأ النِّفري، بل أصبح مريضاً كذلك؛ ومرضه يتعاظم ويشتد، يا آلهة الرحمة، والعطف، والحنان. فعلى الرغم من كل تضامني مع الفكر النسويِّ الذي علّمني وأفادني كثيراً، والذي كانت سونتاغ في مقدمة حملة ألويته، لا أستطيع سوى أن أستسلم لـ "ذكوريَّتي الشِّعريَّة البائسة" (حسب الوصف المتحامل لإحدى زميلاتي النسويَّات) فأقول فيما يشبه البكاء: حين يصاب ثدي امرأة أو رحمها بالسرطان فإن علينا أن نلتفت إلى أن الأرض قد صارت تصرخ بأنها عليلة بسببنا وبسبب ما نقترفه بحقها- فلنلتفت إلى هذا رجالاً ونساء.
        إذن فقد ماتت سوزَن سونتاغ التي كتبت، في ما كتبت، "فيما يخص عذاب الآخرين" (2003)، تحت علامة زحل" (2002)، "في أمريكا" (2002)، " لِمَ نحن في كوسوفو؟" (1999)، "عاشق البركان" (1992)، "الأيدز ومجازاته" (1988)، "الحياة التي نعيش اليوم" (1987)، "أَلِِس في السرير: مسرحية في ثمانية مشاهد" (1983)، "المرض باعتباره مجازاً" (1978)، "عن التصوير الفوتوغرافي" (1977)، "رحلة إلى هانوي" (1968)، "ضد التأويل وبحوث أخرى" (1966)، و"المُحْسِن" (1963). كما حررت سونتاغ أنثولوجيات معروفة منها "البحوث الأمريكية الأفضل" (1992)، و"أنطونين آرتو: كتابات مختارة" (1988).
ومن الأفلام التي شاركت فيها كتابة للسيناريو وغير ذلك "رحلة بدون مرشد" (1983)، "الأخ كارل" (1974)، و"الأرض الموعودة" (1974). وفي الاعمال المسرحية اخرجت عمل بيكيت الشهير "في انتظار غودو" (1993)ونالت سونتاغ باستحقاق شديد العديد من الجوائز مثل جائزة الأدب الفرنسية (1999) وجائزة نُقَّاد الكتب (1978).  
        بهذا السرطان المفزع المقيت الذي صار ينتشر بصورة غير معقولة، إذن، ماتت سوزَن سونتاغ، هي التي كانت قد وصفت "المرض" بأنه مَجاز. لكننا هنا لم ننتقل من المجازيِّ إلى الحرفي، بل صار الأمر العكس، أو العكس- ربما، لا فرق.
 
-3-
        لم ألتق بالمفكرة، والناقدة، والمترجمة، والمخرجة المسرحية والسينمائية، والكاتبة، والناشطة الأمريكية الشهيرة سوى مرة واحدة فقط، وقد كان ذلك في نهاية الثمانينيَّات أو أوائل التسعينيَّات. في ذلك الوقت كنت معنيَّاً بما أسمته سونتاغ "السطح الحسِّي" و"القراءة الأيروسيَّة" للفنِّ في بحثها الشهير "ضد التأويل"، وهو بحث أثار ولا يزال الكثير من الجدل، بحيث أن إدوَرد سعيد، الذي كان معنيَّاً بـ "التأويل" لأسباب هي أوضح من أن تذكر، اختلف معه. والحقيقة أن سونتاغ كانت قد شنَّت نقداً عنيفاً ضد الفكرين الماركسي والفرويدي فيما يخص قراءة النصوص الأدبية، حيث لا تقوم المنهجيات القرائيَّة الماركسيَّة وتلك الخاصة بالتحليل النفسي بغير "تجويف النص". وكنتُ كذلك معنيَّاً بحقيقة أن هناك شيئاً واحد على الأقل يجمعني، أنا الشاب الغر المجهول الذي لا كتب له ولا دراسات ولا هم يفرحون ولا يحزنون، بالمفكرة والكاتبة العملاقة؛ إذ كنت في تلك الفترة مهووساً حد الصَّخب

المزيد


لقطةٌ متحرِّكة تفتح فمها بعد أن تتكلم : وداعاً لِفِلليني إعجاباً به وعتاباً له*

أغسطس 25th, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , عبد الله حبيب

 

عبدالله حبيب
الولايات المتحدة / لوس أنجلوس
 
 

 

 
"لقد تشكَّل فِلليني في إيطاليا الفاشيَّة الجاهلة والغبيَّة. وعلى الرغم من أن فِلليني كان معادياً للفاشيَّة عندما كان عليه أن يكون كذلك، ولا يزال كذلك بالطريقة الأكثر رجولة وديموقراطيَّة، إلا أن تشكُّله الثقافي يبقى محليَّاً في الأصل إنني أجد أنه من الصعوبة قبول القاعدة الأيديولوجية ثنائية الجذر من المحليَّة/ الكاثوليكيَّة التي يعمل فِلليني تحت علامتها العابسة".
- بازوليني، "كاثوليكيَّة فِلليني اللاعقلانيَّة" (1960)-
 

 
عزيزي السيد فِلليني Fellini
سيظل 31 أكتوبر 1993 يوماً مشؤوماً بالنسبة إليَّ، فقد مُتَّ فيه. كم أنا حزين، إذن، وكم أتمنى لو أن ذلك اليوم المقيت لم يحدث. 
كان أمر رحيلك يتعلق حتماً بأحد مشاهد أفلامك التي لا نسمع فيها غالباً وقع أقدام الشخصيَّات/ الممثِّلين، فقد كنت تراهن بعناد على حضور اللاوعي السَّمعيِّ وأُذن العقل لدى المُشاهد أكثر من مراهنتك على الوعي الخارجي بالوجود وتسطيح العلاقة بالعالم ممثَّلين في الأذن الفيزيقيَّة و"طبلتها" الفارغة؛ إذ ما الداعي لسماع وقع الخطوات ما دامت كائنات المبدع تتحرك بصريَّاً على الشاشة رأساً باتجاه عيني المتلقي وأغوار قلبه وعقله معاً؟. ترى ماذا سيضيف وقع الأقدام إلى خطوات الصورة خاصة إذا ما كانت معنيَّة بالحُلميِّ والشِّعري في المقام الأول؟. ما الداعي لما هو نافل حقَّاً، بل ومضادٌّ فلسفيَّاً للغرض الجماليِّ النَّازع جوهره إلى ما وراء الحاسَّة المباشرة، وإلى ما هو تحت الخارجي، وما هو وراء من يُري وخلف ما يُرى، في الخلق السينمائي؟.
هكذا بالضبط، ونِكايةً بك، أراد الموت أن يعاملك بعد أن كادت مماطلاتك، وتلكُّؤاتك، وتسويفاتك، تفرغ انتظاره من الصبر. بَيْدَ أن الموت، ربما من حيث لا يعلم، وعبر ما يشبه إلى حد بعيد تقنية المشهد المعكوس (reverse scene)، قد تحوَّل بذلك إلى أن يكون إحدى شخصياتك. لكن على رُسْلِكَ، حيث إن ذلك لا يعني أنك- وأنت أحد كبار "المخرجين الدِّكتاتورات"- قد أصبحت في موقع السيطرة والتحكم؛ ذلك أن السِّحر قد ارتدَّ أخيراً على السَّاحر. لقد اقترب منك الموت تدريجيَّاً، متنكراً في زيٍّ صارخ البهرجة استعاره قطعاً من أحد كائناتك في "جولييت الأرواح" (1965). وكلما اقترب منك اقتربت الألوان من الأسلبة (stylization) إلى حدٍّ ما (مثل لون بحر متموِّج من مخملٍ غامقِ الزُّرقة يتلاطم في الأستوديو الذي كان، وليس الموقع الطبيعي، مكان التصوير الأثير لديك، مستفيداً في ذلك من تجربة التعبيريين الألمان سعياً وراء أكبر قدر ممكن من التحكُّم الإيحائيِّ بالإضاءة والألوان والديكورات المُرمَّزة أساساً)، والتي استعملتها في رائعتك "وتبحر السفينة" (1983)، لكن من دون أن نسمع حيزوم الموت وهو يشقُّ صدر الماء هذه المرة. هكذا تقدَّم وحيد القرن- الذي كان حقَّاً البطل الحقيقي لفيلمك ذاك- بلا وقع أقدام على الإطلاق، على عكس ما يحدث في السينما الواقعيَّة التقليديَّة (أعني، طبعاً، تلك التي ليست لها أدنى علاقة بالواقع)، وبلا وقع أقدام مضخَّمة كما يحدث في سينما التشويق والإثارة (أعني، طبعاً، تلك التي لا تثير سوى من خمدت ثورة المخيلة لديهم).

ومثل رِتشَرد شتراوس Richard Strauss الذي مَوْسَقَ نبوءة نيتشه Nietzsche في "هكذا تكلم زرادشت"، والذي قال على فِراش الاحتضار انه يتمنى لو أمهله الموت قليلاً كي يتمكن من أن يؤلِّف سيمفونية عنه، صرَّحت بما يليق بك من نبوءة في فترة النقاهة القصيرة من السكتة الدماغيَّة التي ألمَّت بك في أغسطس 1993 بأنك ستصنع فيلماً عما حدث لك؛ فتلك هي الطريقة الوحيدة التي ستمكِّنك من استيعاب التجربة. ولا شك انه لأجل ذلك تحديداً، ولأغراضٍ محضِ جماليَّة، رحتَ في غيبوبة ماكرة وعميقة هي، في "الواقع"، تخابثٌ نموذجيٌّ منك، ومحاولة لتضليل الصحفيين المتطفِّلين (أنتم أيها الإيطاليون لديكم لهم اسم دقيق وفريد عمَّمْتموه على سائر اللغات: “paparazzi”، وقد شهدنا بعض صنيعهم في فيلمك "الحياة اللذيذة" [1960])، ذلك ان تلك الغيبوبة كانت، في الحقيقة، رحلة عمل لمدة أسبوعين صنعت خلالهما سرَّاً فيلمك الأخير. أتذكر أنك قلت في حوار صحفي أنه لم يحدث أبداً أن شاهدت أحد أفلامك في عرض جماهيري. هذا بالضبط ما يميِّز فيلمك الأخير من أقرانه، فقد كنتَ كل جمهوره، مُشاهده الوحيد، والشاهد الأوحد على عبثيَّته ولا جدواه على الرغم من جماله. ها هو الموت، بطل الفيلم وموضوع خلاف قديم نشب بينك وبين بيرغمَن Bergman عندما كانت هناك نيَّة في 1968 لإخراج فيلم مشترك لم يُكتب له أن تراه العين حيث اعتقد كل منكما أنه أعمق فهماً له من صاحبه (أستطيع أن أخمِّن أن صاحب "الختم السابع" [1957] الذي رأى الموت فيه مُشَخْصَنَاً في هيئة لاعب شطرنج حاذق مُتَّشحٍ بالسواد لم يوافقك على أن الموت أيضاً ليس إلا موضوعاً للفنتازيا)!.. ها هو الموت، إذن، يتقدم لكن من دون أن تسمع خطاه. كانت عيناك مغمضتين بطمأنينة وأنانيَّة احتكار الرؤية والرؤيا على حدٍّ سواء. 
ترى ماذا كنت ترى في تلك المَشاهد الغائرة، "غير المعقولة"، الضبابيَّة (ما دمت كنت تقول دوماً إن "الضباب تجربة وجوديَّة عظمى")، والتي لا يجمعها قاسم مشترك سوى السُّخف البديع، والدهشة، وزيادة الأشياء عن حدَّها (access) بالمعنى السينمائي للعبارة، ومنطق السرد غير الخَطِّيِّ؟. أراهن أن مهرِّجي السيرك الذين تعلَّقت بهم منذ طفولتك، وهربت من بيت أسرتك لتلتحق بهم لبضعة أيام في صباك، والذين أصبحوا لاحقاً موضوعاً حنينيَّاً لواحد من أعذب أفلامك، "المهرِّجون" (1970)، قد استأثروا بواحد على الأقل من مشاهد الفيلم الأخير. لا شك أنه مشهد مؤثِّر، بمعنى أنه لا يفتقر إلى حساسية الحزن الخالص التي تحضر على استحياء وتورية في أعمالك السابقة، فقد أراد المهرِّجون أن يداعبوا صديقهم ويروِّحوا عنه إذ السُّبُل على و

المزيد