علي العقباني
أربعون عاماً من النزوح لم تكن قادرة على نزع الجرح من الذاكرة ولا كانت قادرة على كف َّغسان شميط ابن تلك القرية الجولانية(عين قنية) عن أن تكون قضية الجولان حاضرة دائماً في أعماله السينمائية الروائية الطويلة منها والقصيرة التسجيلية والوثائقية،والتي تبدو كأنها استراحة محارب ويرى شميط أن هذا الأمر يمكن أن يكون على هذا الشكل، وقد يكون محاولة للتكيف مع الواقع الذي يحيط بنا، محاولة لطي عنق الزجاجة كما يقولون، فالواقع يفرض شروطه ويجعلك تتأقلم معه، ومع ذلك فأنا على قناعة تامة بأن الفيلم القصير له أهمية وقد يحمل هذا الفيلم بين بدايته ونهايته تكثيفاً وإيجازاً لمشكلة أو قضية تكون من الأهمية بحيث يصعب طرحها في فيلم روائي طويل، ولو لم يكن الفيلم القصير ضرورياً بكل أشكاله وأنواعه وله هذه الأهمية لما أقيمت له المهرجانات الدولية الخاصة به، إذاً هو جرعة مميزة لها تأثيرها النوعي على المتلقي، وغسان شميط اليوم يعود ليقدم ثالث أفلامه الروائية الطويلة(الهوية) بالمعنى الشخصي للكلمة وبالمعنى والدلالة الوطنية لها.
يسعى الشاب عهد لملاحقة هواجسه التي تسيطر على ذهنه وهي التفكير بأن له حياة سابقة وأنه ابن عائلة جولانية,فيعزم على البحث ويستعرض ذاكرته الشخصية وبالتالي ذاكرة الوطن المغتصب,ليتجلى الارتباط الحقيقي ما بين القضيتين الجولان وفلسطين والتي تجسدت برحلته التي أجبرته فيها الروح التواقة لموطنها القديم- الرحلة ما بين شمال فلسطين - الجولان,ليموت في الحياتين الأولى فداءً للحب والموت الثاني كرمى للوطن.
عن الفيلم يقول شميط : يتناول فيلم الهوية/ فترة ما قبل النزوح انطلقنا في العمل من فكرة محلية بيئية لها خصوصيتها في تراثنا كي نصل إلى ما هو أشمل وأوسع، إذ اعتمدنا موضوع / التقمص/ الروحي كأرضية درامية يمكنها أن تحمل الدلالة والرمزية العميقة للتعبير عن الصلة الوثيقة بين القضيتين,فحياة الشاب الجديدة هي الآن في فلسطين وحياته السابقة في الجولان,وما بين الحياتين ذاكرة وطن أشبعت بالحب والتضحية والإخلاص,فأبطال الفيلم جميعهم يحبون بتفان ومستعدون لتقديم أرواحهم في سبيل الحب إن كان خاصاً أو الحب الكبير للوطن، إذ ترخص حياتهم عند المواجهة مع (الاحتلال الإسرائيلي).
حول (الهوية) يقول غسان شميط: حكاية الفيلم بدأت منذ تلك اللحظة التي وقفت فيها وكنت طفلاً صغيراً بإحدى زوايا أرض دارنا أراقب ما يحدث، وقد تلقيت خبراً بأن خالي داخل المنزل قد أطلق النار على نفسه نتيجة قصة عاطفية وقف الجميع فيها ضده، وتكاد لا تفارقني صورة الخيط الرفيع من الدم الذي سال حتى وصل إلى العتبة وجرى في البالوعة الموجودة في منتصفها…لقد صدمتني هذه الحادثة وجعلتني أخاف الموت وأسرار ما بعد الموت لزمن طويل… ونضجت هذه الحكاية عندما قالت جدتي بعد مضي أكثر من عشرين عاماً أن ابنها قد عاد إليها وهو يزورها بشكل مستمر…
إن فكرته الأساسية تتعلق بالحب الإنساني النقي، الحب الذي لا يعرف حدود، حبٌ فطري بعيد عن كل المصالح الشخصية…أبطاله جاهزون دائماً للتضحية بالنفس في سبيل من أحبوا.
فكرة فيلم (الهوية) رافقت غسان شميط لسنوات طويلة حتى حانت اللحظة المناسبة أو الفرصة أو الظرف الطيب كما يقول شميط الذي كتب سيناريو الفيلم بالتعاون مع الروائي وفيق يوسف، ويرى غسان أننا الآن في أمس الحاجة إلى عمل كهذا العمل نتيجة الظروف التي نمر بها وتمر بها المنطقة بشكل عام، ويرى شميط أنَّ ما يُعطي فكرة الفيلم البعد الحقيقي والواقعي أنَّ أحداثه تجري في الجولان السوري المحتل تحديداً، والتجربة الجديدة هذه يراها شميط خطوة متقدمة في مسيرته الفنية، متميز على جميع الأعمال التي سبقته، ويعتقد بأنه سيشكل إضافة جديدة للسينما السورية، رهان كبير على فيلم جديد ذو موضوع خاص ومُقدم بفكرة ومعالجة وأسلوب مميز وتصوير على مستوى عالي.
تبدأ الحكاية من اكتشاف "عهد" حقيقية الروحالتي تتقمصه، من خلال نعي وفاة لشيخ جليل فيإحدى قرى الجولان السوري المحتلة عبر مكبر صوت يدعو لتشييعه في اليوم التالي،وسرعان ما يُدرك الشاب بأن الشيخ المتوفى كان والده، ولكن في جيلسابق، فيقرر التسلسل مع الوفد الديني الذي ينتقل من فلسطين إلىالجولان المحتلة
المزيد