ظلال 1947 الرهيبة
إعداد : علي سفر
أي خلاصة يمكننا الحصول عليها من علاقة السينما بالتاريخ ؟ إذ لا يشكل عمرها في التاريخ سوى وحدة بسيطة من الناحية العددية ولكنه من ناحية المضمون والبنية لا بد يخضع التاريخ نفسه للفحص والمساءلة ..
ففي قرن واحد ونيف تجاوزت السينما ذاتها مرات عديدة ووصلت إلى ذات المشكلات التي ما زالت الفنون السابقة لها تعاني منها ..!
هل هي قفزة مختلفة في زمن التطور المذهل للتقنية وصولا إلى عصر "ما بعد الحداثة " وما بعد هذا العصر..؟
أم أن الأمر يتعلق بقوة خارقة تبدأ بالصورة ولا تنتهي بأطيافها ..؟
يمكن للبحث التاريخي أن يعدد بالتفصيل المناحي التقليدية التي خطها تطور السينما ولكنه لا بد سيظل عاجزا عن تصور علاقة السينما بالتاريخ ذاته , التاريخ بوصفه سرداً قسرياً للأحداث ..
هل تستطيع الدراسات التاريخية الفصل ما بين الذات الفنية في تألقها الإبداعي كلحظة مبتورة من السياق الزمني التقليدي وبين التاريخ السائر إلى الأمام ومعه كل جحافل البشرية ,الآلام ,الحروب والهزائم ,الانتصارات ,التخلف ,التنمية…الخ..؟
لن نبحث في الدراسات التاريخية عن إجابة ما على هذا السؤال لسبب وحيد هو أن الدراسات تظل عاجزة عن إدراك التضاد غير المعلن بين تطور الذات الفنية وبين اتجاه السرد القسري للتاريخ لا سيما وأنها تنحاز للتاريخ من حيث أنها تبحث عن اللحظة المفصلية فيه وليس في الذات الفنية ..
"افعل شر ما شئت أيها الزمان الهرم ,
رغم جورك سوف يحيا حبيبي شاباً في شعري إلى الأبد..".
هذا ما يقوله شكسبير في سونيتة "أيها الزمان الملتهم " وبهذا القول الذي يختصر الكثير من ملامح الرغبة المبطنة في نشاط الذات الفنية , فان العلاقة مابين هذه الذات والزمن - المفهوم الذي يعبر عن لب القسرية التاريخية - تنتقل من موقع المواءمة إلى موقع التضاد وبهذا القول أيضاً يصبح من نافل القول أن أية علاقة بين الذات الفنية المبدعة وبين التاريخ لا تقوم على الرغبة في تجاوز الذات للتاريخ هي علاقة ساقطة في إسار الآنية والراهن..!!
الذات الفنية تعيد جلجامش إلى الحياة ,تنتشله من مدفنه في غياهب الأسطورة وتحققه في الواقع في صورة ذواتٍ حيةٍ تمارس مشروع الموت كما مشروع الحياة ..
إن التصور الفلسفي الذي تبدعه السينما لا تقترحه مشاركة الفنون لبعضها في مشروعية الذات الفنية بقدر ما تقترحه المعاناة الحقيقية لأبطال هذا الفن في مواجهتهم العاتية المعوقات النمو:/الطبيعية /الفنية والتاريخية/السياسية ..!
وفي النموذج الذي نختاره ليعبر من خلال حيثياته عن علاقة السينما بالتاريخ تصدمنا الواقعة التاريخية في شكل اعتدنا طرافته إذ يشكل النموذج حالة خاصة يمكن تعميمها باختلاف الظروف والوقائع لتعامل السينما مع التاريخ ..!
حيث تقف الذات الفنية (ايزنشتين) في موقع التعارض من خلال مشروعها (الفيلم ) مع السياسي (ستالين) الذي يعبر من خلال موقعه عن اتجاه التاريخ المقروء من خلال موقع السلطة والطغمة وذلك عبر موضوع التاريخ نفسه ..
الذات الفنية تقترح رؤيتها الخاصة بينما يقترح السياسي ضرورة الوقوف عند الراهن الذي يحدد صوابية الرؤية أو خطأها إذ يقول(مولوتوف ):" يجب عرض الأحداث التاريخية باستيعاب صائب"..!
ما هي مقومات "الاستيعاب الصائب".؟ تُعجز الإجابة الذات الفنية وهي هاهنا ( تشيركاسوف ) الممثل السوفيتي الشهير والعبقرية الإخراجية (سيرغي ايزنشتين ) بينما ترد بسهولة لدى (جدانوف ) و ( مولوتوف ) و( ستالين ) لتتحدد في التاريخ ذاته ولكن من خلال القراءة السلطوية له..!
ولعل التدقيق في هذه الإجابة المقترحة من قبل السلطة يوضح إلى أي مستوى من السطحية يمكن لهذه الإجابة أن تقود العمل الفني (فيلم "ايفان الرهيب" الجزء الثاني ) في حال تم العمل من خلالها..!
الفيلم وثيقة، اجل انه وثيقة حقيقية ولكن ليس في الاتجاه الذي تقودنا إليه رغبة السلطة في " الوثيقة " التي نعيد نشرها هنا ، وليس في الاتجاه الذي تقودنا إليه التصويبات التاريخية التصور السلطوي لها..!الوثيقة الحقيقية التي يكونها الفيلم تنبع وبشكل رئيسي من فنية الفيلم, من أخطائه الإبداعية التي يعبر عنها بوصفها أخطاء تقنية وبوصفها مؤسسة للتجاوز في العمل الفني اللاحق.
لم يمهل الموت ايزنشتين كثيرا لنرى كيف كان يمكن له أن يعبر عن مفهوم التجاوز في عمل فني يلي (ايفان الرهيب) الجزء الثاني إذ أنه مات في العام الذي تلى هذه الحادثة ..!!كما أن الفيلم ذاته بقي ممنوعاً فترة من الزمن قبل أن يفك حظره اجتماع سياسي تافه أيضاً..!!
الوثيقة عُنونت في مصدرها الأصلي وهو مجلة " أنباء موسكو " المحتجبة بـ(ظلال عام 1947الرهيبة) وهي منشورة لأول مرة في العدد 33, لعام 1988 ..
وبدورنا هنا نتساءل هل قرأها أو توقف عندها أحد ما في ذلك الوقت ؟
لا نعرف الإجابة لكننا نقدمها هنا لعلها تفيد بخلاصةٍ ما جمهور المبدعين السينمائيين العرب و ربما قد تفيد أحداً من أصحاب السلطة من هذه الأمة ..
مدخل
" أظهر المخرج ايزنشتين في الجزء الثاني من فيلم "ايفان الرهيب " جهلاً في تجسيد الوقائع التاريخية , إذ صور جيش ايفان الرهيب التقدمي في هيئة عصابة من المنحطين على غرار كوكلوس كلان الأميركية وصور ايفان الرهيب ذا الإرادة القوية والطبع العنيد ضعيف الشكيمة والإرادة ,بشكل يشبه هاملت إلى حد ما "
- من قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي (البلشفي ) لعموم الاتحاد السوفيتي بتاريخ 4ايلول/سبتمبر/عام 1946 حول الفيلم السينمائي ((الحياة الكبرى )) -
الوثيقة
محادثة مع ستالين ومولوتوف وجدانوف حول الجزء الثاني
من فيلم ((ايفان الرهيب))
تسجيل سيرغي ايزنشتين ونيكولاي تشير كاسوف في 25شباط عام1947
طلب منا الحضور إلى الكرملين في الساعة الحادية عشرة .وفي الساعة العاشرة وخمسين دقيقة دخلنا إلى غرفة الاستقبال .وفي الساعة الحادية عشرة تماما خرج الرفيق بوسكريبيشيف ليصطحبنا إلى المكتب .
كان في أعماق المكتب الرفاق ستالين و مولوتوف وجدانوف ،دخلنا وألقينا التحية وجلسنا وراء الطاولة .
قال الرفيق ستالين :
- إنكما كتبتما رسالة .وتأخر الرد قليلاً .فكرت بأن أجيب خطياً, لكنني قررت إن التحدث أفضل, لأنني مشغول جداً ولا وقت لدي, قررت أن نلتقي هنا بتأخر كبير, إنني تلقيت رسالتكما في شهر تشرين الثاني.
جدانوف: اجل إنكم تلقيتموها عندما كنتم في سوتشي .
ستالين : هل درستما التاريخ؟
ايزنشتين:إلى حد ما.
ستالين : إلى حد ما؟ إنني أيضاً على اطلاع قليل على التاريخ إنك جسدت قوات البلاط بشكل غير صائب .إنها قوات ملكية .وخلافاً لجيش الإقطاعي الذي كان بإمك
المزيد