ذوات حبيسة داخل مواقف صوتية وبصرية
محمد العباس

شخصيات على درجة من الحيوية، تتبدد بسخاء في فلم " حكاية بحرينية ". وبقدر ما تتسم تلك الشخصيات بخاصية درامية كثيفة، تبدو كذلك حبيسة داخل مواقف صوتية وبصرية، كما تفترض الواقعية الجديدة، إذ تجد نفسها مقتلعة من حاضنها المكاني بالقدر الذي تحاول التشبث به، بل أن الأمكنة ذاتها تبدو خاوية وموحشة، أو طاردة - بمعنى أدق - لناسها المحكومين بلعنات الترحال والانخلاع من منابتهم، مهما بدى المشهد الحياتي ثرياً بحيوات كثيفة ودائمة الحركة، فأغلب الشخصيات الفاعلة في ( الفلم/الحكاية/الحياة ) مقهورة بقدر الموت انتحاراً ( فاطمة وحمد ) أو الموت استشهاداً ( سلمان ) أو الفرار هرباً ( محمود ومنيرة ) فيما يبدو إعلاء من شأن طقسية الجسد الشعائري مقابل ابتذالية الجسد اليومي، كما تمثل في يعقوب وعبدالله وجمعة، بمعنى استبدال السببية السردية بمفاصل شعرية، كما يقترح تاركوفسكي من الوجهة التأثيرية.

ثمة تأكيد صريح على المكوّن الرومانسي في " حكاية بحرينية " بما هو سمة من سمات الواقعية الجديدة، التي لا تكتفي بتصعيد المفارقة في الوقائع الحياتية، ومعالجة المضامين الاجتماعية وحسب، بل تتجاوز حتى حالة عدم الثبات في المكان إلى تجسيد حالة من الاضطراب الشامل والمزعزع الذي سماه بازين " الزوغان " بما هو قيمة محرّكة وفاعلة إيحائياً، تشير إلى زمن ضيّع مسالكه وخرج عن أطواره، تقترفه ذات لا متموضعه، إذ لا تقدر تلك الشخصيات على الانوجاد إلا داخل مسافة الحركة، فهي مغلولة للوثيقة التاريخية، ومهجوسة في الآن نفسه بفكرة الكشف عن قانون التطور الإجتماعي داخل الجدلية التاريخية، بعد أن أكسبها فريد رمضان حساً قدرياً، وترجم ذلك بسّام الذواذي إلى قوة استبصارية تعويضاً عما فقدته من إمكانية الفعل على أرض الواقع، والسبب يعود إلى أن مثل هذه الطرازات الفارطة في الواقعية تكون في أقوى حالاتها عندما يتم ترحيلها من الواقع إلى مدارات العمل الابداعي.
يتوضح ذلك الاضطراب مثلاً من خلال شخصية الطفل ( خليفة ) الذي عمل بمثابة العين الديكوباجية المتلصصة لبسّام الذواذي، حين يتأمل بها النسوة في خلواتهن، أو يراقب والده بمسقط رأسي من سطح منزلهم، أو حين يطلق لبصره العنان قبالة الشاطئ، أو هكذا تموضع أيضاً من الوجهة الشعورية في مكمن الرائي، ولم يعد بمقدوره تعزية نفسه إلا بمصاحبة صديقه ( سالم ) الذي يشاركه طفولة هواماته الجنسية، وهواية تربية الحمام، والشرود الدائم، أو مراقبة حالة التفسخ المستشرية دون قدرة على استيعاب المغزى من وراء الإنطفاء الدائم لشخصيات أسلمت نفسها لابتذالية لا مبررة بشكل لا يطاق، وهو ما يعني أن بمقدور هذا النمط من الواقعية الصادمة التأكيد على أن العالم يمكن أن يتبدى كفلم سيء، بغض النظر عن الكيفية التي يتم بها استعراضه.
هكذا قدم بسّام الذواذي عرضاً ينوب عن التاريخ، ليؤفلم ما فرضه سرد فريد رمضان من واقعية الحكاية، دون أن يعاند أي منهما الوثيقة التاريخية الثقافية، لحقبة زمنية تمتد ما بين هزيمة حزيران 1967 ووفاة الزعيم جمال عبدالناصر 1970، حيث كانت البحرين ممثلة في بيت عبدالله ( والد خليفة ) كصورة سائلة، بالمعنى الفني للجماليات البصرية، تتداعى تحت رمادية صورته الصلبة، المعلقة على جدار مهترئ لتحكي سيرة أنوات بحرينية صغيرة، محروسة بوهم " أنا تاريخية هائلة ". وقد تمت ترجمة تلك الوقائع بصرياً بشكل تصعيدي فيما يبدو محاولة لتخليق ما هو أبلغ من الواقع شكلياً ومادياً، وإن لم تصل إلى حد إختلاق واقع جديد، بالنظر إلى أن السينما ليست لغة، بقدر ما هي منظومة تقوم على تكامل الصورة بالحركة، ولو في قالب سينمائي حكائي، كما تبدت في اللقطة كوحدة بنائية تقوم مقام العبارة المنطوقة.
إذاً، ثمة تجاذب خلاق بين خطابين جماليين، قوامه رؤية الكاتب مقابل منطق السرد السينمائي المعضّد بالميزانسين، بما هو مخطط المخرج المؤسس على وحدة تعبير شكلية يتم بموجبها توزيع الممثلين مع بعضهم وإدخالهم في علاقة متناسقة بالمحيط، للتعبير عن معنى ما يحدث، فمهمة المخرج، برأي روجر أيبرت، أن يخرج فلماً جميلاً لا أن يكون مخلصاً للكتاب وملزما به، أو هكذا أراد بسّام الذواذي من قصة فريد رمضان أن تكف عن كونها حكاية لتتحول إلى مواقف صوتية بصرية، وعليه فقد اجتهد لئلا يقدّم واقعاً مصوراً كما هو، أو منسوخاً، بالاعتماد على تقنية اللقطة الطويلة، أو ما يعرف باللقطة المرحلة، أو" الصورة الواقعة " كما تعرف في القاموس الأدائي للواقعية الاجتماعية، حيث أكد على تحريك شخص
المزيد