
ولأخذ وجهات نظر حول الأسئلة الراهنة للنقد السينمائي العربي، نستضيف ثلاثة نقاد متميزين، من أجيال مختلفة، من أجل البحث عن مدي التقارب أو الاختلاف في تقييم المسار والحصيلة، حيث استجاب لأسئلتنا كل من الناقدة الأردنية رانية عقلة حداد، والناقد المتميز محمد رضا من الولايات المتحدة الأمريكية، والناقد المغربي الشاب طارق أوشن الذي يشتغل حاليا ضمن طاقم قناة الجزيرة الوثائقية في قطر.
ففي سؤال حول تقييم حركة النقد السينمائي العربي، أشار الناقد محمد رضا إلي كونها حركة موجودة بلاشك، تقاوم المتغيرات الحاصلة من حولها، وفي مقدمتها المتغيرات التي تجعل من جمهور اليوم أقل اهتماما بالمواد والمسائل الثقافية مما كان عليه قبل ثلاثين أو عشرين سنة، لكنها حركة فردية لا جامع بينها، باستثناء الكتابة عن الأفلام وذلك تبعا لقدرات متفاوتة، بمعني أنه لا طموح لديها، وترتكن إلي المتاح. فالكاتب في صحيفة ما، تراه يكتفي بما أنجزه رغم أن لديه تحديين اثنين علي الأقل: التقدم في مجاله عبر الاستزادة من معارفه، وهذا لا يتم فقط عبر مشاهدة المزيد من الأفلام الجديدة، ثم التواصل مع الجيل المتوالي من الجمهور.
ويؤكد رضا أن نقاد الجيل السابق والذي قبله، ممن لا يزالون يمارسون النقد، معظمهم توقف، كقدرة علي التواصل، عند جيلهم ذاته من القراء، بينما الجدد بدأوا من نقطة، ومعظمهم توقف عندها فيما بعد، وذلك ما يؤثر علي الحركة النقدية بأسرها.
وفي نفس السياق، أكدت الناقدة رانية حداد أن لدينا في العالم العربي عددا من الأقلام النقدية موضع كل التقدير والاحترام، والتي أسست بدورها لحركة نقد سينمائي عربي، اشتغلت علي نفسها، ومهدت الطريق لأجيال نقدية لاحقة، وللأسف كان جهدها مبعثرا هنا وهناك، وليس في متناول الجميع الاطلاع عليه.
أما الناقد طارق أوشن، فإنه يذهب إلي تأكيد عدم إمكانية فصل حركية النقد السينمائي العربي عن واقع الفعل السينمائي في الأقطار العربية، ففي ظل الاستسهال الواضح لعملية الفعل الإبداعي السينمائي في الدول ذات التقاليد السينمائية الراسخة، وانحسار الإمكانيات الموجهة للقطاع السينمائي في بقية البلدان الأخري، يبدو لنا النقد مسايرا لا مناوشا أو حاثا علي التغيير والتجديد.
ويضيف قائلا: إن الحركة النقدية في حاجة مستمرة إلي مادة خام للاشتغال عليها، وفي حالة غيابها يجد الناقد نفسه أمام وضع صعب، يدفعه إما للتحول إلي الكتابات الانطباعية والإخبارية الصرفة التي لا ترقي إلي مستوي الكتابة النقدية الرصينة، أو الاستنجاد بالكتابة النظرية التي لا تسمن ولا تغني بقدر ما تعيد إنتاج نفسها وتكرار نفس المقولات الجاهزة، غير المؤثرة علي الواقع السينمائي المحلي، إلي درجة أن النقد عند البعض صار انتقادا أو نقدا بالمعني المالي، وهما ظاهرتان تنخران الكتابة النقدية العربية التي يسعي ممتهنوها إلي حضور المهرجانات كسياحة، أو العروض الخاصة كموائد أكل وشراب، في حين تبقي السينما بريئة من أقلامهم، لكن رغم ذلك، ليس الوضع سوداويا في عمومه، بل هناك محاولات جادة تحاول جهد الممكن تقديم مادة يستفيد منها الفاعل السينمائي وعموم الجمهور أيضا، كآلية من آليات تطوير العمل السينمائي وقراءته أو تحليل مضامينه.
وبما أن المواقع والمدونات الالكترونية أصبحت من القنوات الحاملة لتواصل نقدي سينمائي عربي مضطرد، فإن السؤال حول مدي امكانية مساهمتها في خلق نقد جاد من عدمه يبقي سؤالا راهنيا ملحا.
في هذا الصدد، تقول رانية حداد بأن المواقع والمدونات الالكترونية خطوة في غاية الأهمية، نسبة إلي المعرفة التي يتم تقديمها من خلالها للمختصين أو المهتمين أو الهواة، في ظل غياب الفعاليات التي ترفد الحركة السينمائية وتغني العملية النقدية، كغياب البرامج التلفزيونية والإذاعية، وغياب المجلات المطبوعة ورقيا، وندرة نوادي السينما التي تعرض من خلالها الأفلام وتتم مناقشتها، رغم أنها وحدها لا تكفي، فهي تقتصر علي جمهور النت، في حين يبقي الجمهور الأكبر هو جمهور التلفزيون، والتأثير الأقوي للصورة من خلال البرامج التلفزيونية، لذلك يجب أن يكون هناك تكامل بين المقروء والمشاهد.
وفي نفس الاتجاه، يري محمد رضا انه ككل شيء تقريبا، الإنترنت له سلبياته وايجابياته. فمن ايجابياته، انه لخص المسافة بين الناقد وبين قرائه، وأوجد للناقد جمهورا جديدا.
في عالمنا العربي، يضيف رضا، عندما تخفق صحيفة أن تنتشر خارج حدودها، فإن الإنترنت يفعل ذلك، فيستقبلها جمهور من المحيط إلي الخليج، إضافة إلي ذلك، يتيح الانترنت للناقد أن يمارس حرية في الكتابة، لا تكون مشروطة من قبل دار النشر. لكن السلبيات متعددة أيضا، ومنها أنها الحل السهل المتراجع عن الطموح الأكبر بوجود مجلات سينمائية متخصصة، وبوجود حركة نقدية شاملة ذات تأثير.
الناقد طارق أوشن اعترف بأنه ليس في حقيقة الأمر متابعا وفيا لما يصدر عبر المدونات والمواقع السينمائية الالكترونية، لكنه يعتقد أنها قد تكون علي الأقل فضاء لتجميع الكتابات النقدية الموزعة علي بقية المنابر، وتقديمها للمتتبع.
أن تكون المدونات حافزا لإغناء النقد السينمائي العربي، أمر مرتبط في الأساس بالقيمة العلمية للمواد المعروضة، وهو ما يشكل وسيلة تمييز مدونة ما عن أخري، لكن الهواية التي قد تطبع غالبية المدونات، تجعل الناقد طارق اوشن يشكك في وقعها الايجابي، فالإقدام علي إنشاء مدونة سينمائية معينة يعد في حد ذاته عملا ايجابيا ينم عن حب السينما، وعن الرغبة في تعلم أبجديات القراءة الفيلمية الرصينة، لكن، بين الحب والرغبة وواقع الأمر فروقات تكبر وتصغر حسب المدونات ومن يقف وراءها.
وفي سؤال مرتبط























