محمود الشرع



فيما يثرثر البعض حول مدى الإهمال الذي تعرض له الممثل والمخرج كلينت إستوود في مختلف الجوائز التي وزعت مؤخراً بل وحتى في إعلانات الترشيحات، تبقى حقيقة بسيطة واحدة وهي أن فيلمي "رايات آبائنا" (Flags of Our Fathers ) و "رسائل من أوجيما"Letters From Iwo Jima)) تمثل إنجازاً معلماً في تجربة إستوود الطويلة والعريقة.
إنهما فيلمان للأجيال، ستبقى آثارهما في الأذهان ماثلة لفترة طويلة بعد أن نكون قد نسينا مؤشرات الأفلام الأكثر جماهيرية، التي تقدم مثالاً على الطبيعة المتقلبة للاتجاه السائد للأفلام التي تعرض والتي بمعظمها تبقى بعيدة كل البعد عن القيمة النقدية والتاريخية للفيلمين المذكورين.
كلا من الفيلمين - الذين يكملا بعضهما البعض- يرجع صداه للآخر ليشكلا معاً دراسة غنية وبمنهجية عالية، تتداخل بطريقة مؤثرة لتعيد طرح مسلمات مثل: معنى البطولة، جنون الحرب، التجربة المشتركة للجنود العاديين على جبهتي القتال، وقدرة التخيل والدعاية ( البروباغندا) للتأثير على مشاعر الجمهور إيجاباً أو سلباً.
رايات آبائنا

في 23 شباط (فبراير) عام 1945، التقط مصور وكالة أسوشيتد بريس (جو روزنثال) صورة حربية لخمسة من المارينز ومتدرب في البحرية يرفعون أنبوب ماء ياباني ثقيل في أعلاه ثبتوا العلم الأمريكي هذه الصورة ستصبح ولأمد طويل أيقونة تعبر عن شجاعة الأمريكيين، جعلت الكثيرين يفسرون تلك اللحظة كإشارة نصر، وهم في ذلك أطلقوا العنان لأمنية جمعية داخل المجتمع الأمريكي،عبرت عنها الصورة أفضل تعبير ممكن.
حادثة رفع العلم الشهيرة تلك حدثت فقط في اليوم الخامس من حملة الثلاثين يوماً الجهنمية الرهيبة والمعدة لجزيرة أوجيما، و خلال أيام من تخليدهم بواسطة روزنثال، ثلاثة من الجنود الستة قتلوا. في حين استغلت الصورة الفائزة بجائزة بولتزر لكبح حالة التهكم داخل الولاياتالمتحدة المفلسة والمرهقة من الحرب.
يقول أحد الأشخاص في فيلم "رايات آبائنا" وهو ينظر إلى الصورة بتأثر:"يمكنك أن تؤمن بأن التضحية لم تذهب هباءً ".
إن أية روابط يمكن أن يستدل عليها المرء بين حاجات أمة تترنح في نهاية الحرب العالمية الثانية و الخوف الأمريكي العميق والذي شكله مأزقه في العراق هي روابط مقصودة بشكل جلي وواضح.
و فيما تتزايد حالة الكشف عن حقيقة حالة الفوضى في العراق لدى صناع الأفلام الوثائقية، فإن كلينت إستوود اختار أن يخاطب هذه الحالة– المستنقع بطريقة غير مباشرة، وبعيدة عن التهور، ومن خلال عمل ملحمي ضخم ينتقد برمزية عميقة الدلالة.
تم تحضير سيناريو الفيلم من قبل وليام برويليس ج ر، و باول هاغيز نقلاً عن أفضل كتب جيمس برادلي مبيعاً "Flags of Our Fathers" والذي يستعرض مصير الستة الأمريكيين الذين ذاعت شهرتهم، وبشكل خاص الثلاثة الناجين إرا هايس (آدم بيش) و ريني جاجنون (جيسي برادفورد)، ودوك والد برادلي (رايان فيليب).
هايس و جاجنون و برادلي المتأثرين بصدمة أوجيما، يجبرون للخدمة كعملاء علاقات عامة ضمن جولة لحث الناس للتضامن مع الحرب ولجمع التبرعات.
يمانع ثلاثتهم ارتداء عباءة البطولة الكاذبة، التي أجبروا عليها من قبل بيروقراطية الجيش التي أدركت حالاً أنهم مورد مال لا ينضب، لكن الثلاثي يكبت احتجاجه حالما تعلو أسماءهم وصورهم مانشيتات الصحف، قبل يروا تجمع الحشود المعجبة في الاستاد الرياضي.
أثرت هذه الجولة بشكل خاص على هايس، الأمريكي الهندي،حيث تداخل إحساسه بالذنب لما حل برفاق السلاح الذين سقطوا، مع العنصرية التي كان يلاقيها في كل مناسبة.
أخطأ إستوود وكتاب الفيلم في ناحية الإفراط في التركيز على عنصرية هايس على حساب إضاءة جوانب أخرى في شخصيته، نقطة الضعف تت













