تُنشر الأخبار, والمقالات, والدراسات المُدرجة في مدونة سحر السينما بمُوافقةٍٍ شفهية,أو خطية مُُسبقة من مؤلفيها


جنون الحياة.. نزوع نحو الإيروتيكية أم نكوص نحو سينما السبعينيات

أبريل 29th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , محمود الغيطاني

محمود الغيطاني

    "سعيد مرزوق" مخرج له أهميته البالغة منذ ظهوره في بداية السبعينيات؛ فهو مخرج واع استطاع أن يحفر لنفسه مكانا لائقا و اسما كبيرا في تاريخ السينما المصرية؛ فلقد كان ظهوره قويا له وقع الصدى الذي تناسب مع تقديم عمله الروائي الأول "زوجتي و الكلب" عام 1971 مما أدي إلى جذب الأنظار إليه بل و تعليق العديد من الآمال عليه كمخرج جاد له أسلوب متفرد- سينما المؤلف- و في مقابل تلك الآمال التي علقناها عليه لم يرغب "سعيد مرزوق" في أن يخيب آمالنا فقدم لنا فيلم أكثر جدية في العام التالي-1972- و هو فيلم "الخوف" ، ثم تلاها برائعته التي أثارت الكثير من الجدل و الإعجاب "أريد حلا" عام 1975 و من ثم بدأت أعماله السينمائية الجادة و الهامة في تاريخ السينما- و في مسيرته السينمائية- تتالي علينا من بعد ذلك فقدم لنا "المذنبون" عام 1976 ، ثم "حكاية وراء كل باب" 1979 و الذي انقطع من بعده عن الإخراج مدة طويلة نسبيا تكاد تقرب من ستة سنوات ليعود لنا مرة أخري مع فيلمه "إنقاذ ما يمكن إنقاذه" عام 1985 ، "أيام الرعب" 1988 ، "المغتصبون" 1989 ، "الدكتورة منال ترقص" 1991 ، ثم فيلمه الهام "آي-آي" عام 1992 ذلك الفيلم الرائع الذي عبر فيه عن رداءة واقعنا الذي نحياه و طابعه المادي الذي يخنق أحلامنا، و تلاه بعد ذلك بفيلمه "هدي و معالي الوزير" 1995 ، إلا أننا نعتقد أن من أقوي أفلام "سعيد مرزوق" و أكثرها تميزا فيلمه القاتم/الرائع "المرأة و الساطور" عام 1997 و الذي اعتمد فيه علي المساحات السيكولوجية إلى حد بعيد بشكل قلما يهتم به أحد المخرجين.
    إلا أنه بالرغم من ذلك التاريخ الحافل بالأعمال الجادة يفاجئنا "سعيد مرزوق" إن لم يكن يصدمنا بفيلمه الجديد "جنون الحياة" ، ذلك الفيلم الذي زلزلنا بقوة كادت أن تصيبنا بالهلاوس لتعصف بتاريخه الفني كله، زاد من تلك الصدمة غير المنتظرة أن كاتب السيناريو "مصطفي محرم" سيناريست له مكانته الفنية التي تضاهي مكانة "سعيد مرزوق" كمخرج و الذي قدم لنا سيناريو رديء متهافت بلا مضمون قد يستطيع أي سيناريست مبتدئ ما زال يحبو في عالم السينما متعلما أبجديات كتابة السيناريو أن يكتبه.
    و علي الرغم من نجاح "مصطفي محرم" في كتابة سيناريو محكم و متماسك من حيث البناء التكنيكي للعمل؛ حيث اعتمد علي البداية و الوسط و النهاية أو التمهيد و المجابهة و الحل مع وجود الحبكات الفنية و هو بناء خطي أساسي تعتمده كل السيناريوهات، إلا أنه فشل فشلا ذريعا في انتقاء قصة السيناريو حيث اختار إحدى قصص الروائي "إسماعيل ولي الدين" و التي لم تعد تصلح في وقتنا الحالي بقدر ما تصلح لسينما السبعينيات- العصر الذهبي لسينما شمس البارودي، ناهد شريف- التي قدمت العديد من الأفلام "اللاروائية" إذا جاز لنا التعبير و التي تعتمد علي فكرة بسيطة لا تكاد تذكر بقدر ما تقدم لنا حكاية للتسلية و المرح و إزجاء الوقت مع بعض الإغراءات الشهوانية- التي لا نعترض عليها- من ملكتي الإغراء في ذلك الوقت- شمس البارودي، ناهد شريف- إلا أننا قد نلتمس لهؤلاء العذر حيث أن مرحلتهم الزمنية و حالات الفراغ الفكري و السياسي التي تولدت من العنف الناصري ضد المثقفين بالإضافة إلى الجرح العميق الذي نظن أنه لم يلتئم حتى الآن- نكسة 1967 مع وجود التقلبات السياسية- حيث كان مجتمعنا المصري غير مستقر بعد و في طور التكوين- أدي إلى نزوعهم ذلك المنزع، أما أن نعيد تلك الكرة مرة أخري في وقتنا الراهن و مع تلك الثورات المعلوماتية الآنية بالإضافة إلى التطور الفكري الذي نشهده و مع مخرج في قدر "سعيد مرزوق" و سيناريست مثل "مصطفي محرم" فهو يعد من أقصي درجات الاستخفاف بعقلية المشاهد؛ فكأنه يقدم فيلما للمراهقين الباحثين عن إشباع رغباتهم دون الاهتمام بالمضمون.
    فها هي "سناء" (الهام شاهين) تلك المهندسة المعمارية المتزوجة من أحد رجال الأعمال "وسيم" (محمود قابيل) و التي سنعرف فيما بعد من خلال الحوار أنها تزوجته رغما عن والديها اللذين رفضا زواجهما للفارق الطبقي بينهما- لاحظ أن تلك التيمة للفوارق الطبقية بين الزوجين كادت أن تتلاشى في وقتنا الحالي إلا أن "سعيد مرزوق" ، "مصطفي محرم" ما زالا يصران عليها حتى أنها تكاد تتكرر مع السائق "مجدي" (كريم عبد العزيز) و ابنة شقيقتها "عفاف" (ياسمين عبد العزيز)- إنها تكتشف منذ بداية الفيلم خيانة زوجها لها بعد استماعها بالمصادفة مكالمته التليفونية مع عشيقته فما كان منها إلا أن اتجهت إلى إحدى قريباتها شاكية لها، تلك الت

المزيد


الناظر.. و إشكالية الاحتفاء بسينما التخلف العقلي

فبراير 18th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , محمود الغيطاني

محمود الغيطاني
    ربما كان من الواجب علينا بداية إبداء الاعتذار لأستاذنا الراحل "سامي السلاموني" الذي استعرنا منه اصطلاح "سينما التخلف العقلي"، ذلك الاصطلاح الذي كان له السبق في إطلاقه قاصدا منه أفلام "إسماعيل ياسين" و الشكل البلاهي الساذج الذي كان يقدمه لنا تحت دعوى سينما الكوميديا المقصود منها إضحاك الجماهير بأية وسيلة كانت حتى لو تطلب الأمر تحويل الممثلين إلى مجموعة من البهلوانات بغية الوصول إلى هدفهم المنشود.
    إلا أننا اضطررنا مرغمين لاقتباس اصطلاحه لأنه الوحيد الذي من الممكن أن يوصف به فيلم "الناظر" الذي قدمه لنا المخرج الذي كان موهوبا "شريف عرفة" مع كاتب السيناريو "أحمد عبد الله"، ذلك الفيلم الذي كانت الحسنة الوحيدة فيه هي استفزازنا و إصابتنا بحالة شديدة من الغيظ المصحوبة بالتشنج أثناء مشاهدتنا له حتى كدنا أن ننفجر غيظا، بل ووصل الأمر إلى أنني كدت أمسك بعنق من يجاورني كي أخنقه غيظا لأننا انسقنا لمشاهدة مثل هذا الفيلم و من ثم ضاعت علينا نقودنا ووقتنا هباءا؛ و ربما كان السبب الأساسي لتلك الحالة التي أصابنا بها الفيلم هو الغيرة الشديدة و الإحباط علي مستقبل صناعة السينما في مصر إذا كانت هذه هي نوعية الأفلام التي سوف يقبل عليها المخرجون و صناع السينما المصرية و من ثم ينساق خلفهم الجمهور الذي تحاك حوله مؤامرة دنيئة لمحاولة إفساد ذوقه الفني من أجل مصلحة قلة صاروا يسيطرون علي مقدرات صناعة السينما في مصر.
    بل إن مثل هذا الفيلم قد دفعني للعديد من التساؤلات التي لم أستطع منع فيضانها؛ فجلست أحدث نفسي كمن أصابه الخبل، و لكي نكون أكثر تنظيما دعنا نحاول طرح مثل هذه التساؤلات و من ثم الإجابة عليها علّنا نستطيع الوصول إلى حل مثل هذه الإشكالية العقيمة.
    نعرف بداهة أن البداية الضعيفة لمخرج ما قد لا يؤاخذ عليها كثيرا؛ لأنه لا بد سوف يحاول الاستفادة من تجربته الأولي إما من خلال مناقشة النقاد معه مرورا بشكل التلقي الذي سيقابل الجمهور به مثل هذا العمل، وصولا إلى اكتساب الخبرة الفنية و امتلاك الحس الإخراجي الخاص به في تكنيكه السينمائي فيما بعد، فإذا لم يسر الأمر علي مثل هذا المنوال فالتوقع الوحيد لمثل هذا المخرج هو التلاشي من قلب الواقع السينمائي و من ثم التوقف عن الإبداع، و نعرف كذلك أن البداية المتوسطة لمخرج ما سوف تبشر فيما بعد بمخرج قد يستمر إما علي مستواه الفني المتواضع الذي يستطيع من خلاله أن يقدم لنا الجيد تارة و الرديء تارة أخري، أو يستطيع فيما بعد اكتساب الخبرات الفنية اللازمة و من ثم يصبح مخرجا جيدا، أما أن يبدأ مخرج ما بداية قوية كانفجار نجم في سماء الفن و من ثم يبهرنا بأسلوبه فهذا هو ما نترقبه جميعا و نرغب فيه و بالتالي نبارك عمله و ندعو له بالاستمرار و التوفيق في مسيرته الفنية الجيدة، و هنا نستطيع أن نتوقف هنيهة لنتنفس الصعداء بعمق و راحة قائلين أن السينما المصرية قد اكتسبت فنانا جميلا جديدا يستطيع الحفاظ علي خطواتها الجادة و مضمونها الرفيع.
    و لكن ما يدفعنا إلى الغيظ الشديد هو انحراف مثل هذه الحالة الثالثة- التي تحدثنا عنها سابقا- عن مسارها الفني و من ثم تبدأ في العد التنازلي نحو السقوط الذريع.
    و لعل هذا ما ينطبق تماما علي مخرجنا الجميل "شريف عرفة"، ذلك المخرج الذي تخرج في معهد السينما عام 1983 بمعني أنه درس أصول الفن جيدا، فضلا عن كونه من عائلة فنية أصيلة؛ فوالده المخرج الراحل "سعد عرفة" صاحب أفلام "بيت من رمال" 1972 ، "الملائكة لا تسكن الأرض" 1995 *، "الحب قبل الخبز أحيانا" 1977 ، بالإضافة إلى أنه شريف عرفة- لم يمر كما مر غيره من المخرجين بمرحلة السينما التسجيلية قبل اتجاهه إلى السينما الروائية الطويلة- و إن دل ذلك فإنما يدل علي عبقريته الفنية و امتلاكه لحس سينمائي خاص؛ حيث أن السينما التسجيلية تصقل إلى حد ما من مواهب مخرجها- و بالرغم من عدم اجتيازه لمثل هذه التجربة- السينما التسجيلية- إلا أن بدايته كانت قوية إلى حد كبير في فيلمه الأول الذي أخرجه عام 1986 بالتعاون مع السيناريست الموهوب و المميز و الجاد "ماهر عواد" و هو فيلم "الأقزام قادمون"، ذلك الفيلم الذي كان من أقوي البدايات لمخرج جديد ما زال يخطو هو و زميله السيناريست خطواتهما الأولي في عالم السينما فصار عملهما معا علامة فارقة في تاريخهما السينمائي، و لم يلبث أن يحول الحول حتى قد لنا "شريف عرفة" في العام التالي مباشرة فيلمه الثاني "الدرجة الثالثة" 1987 بالتعاون مع نفس السيناريست الموهوب ليشكلا فيما بعد ثنائيا ناجحا بأفلامهما المميزة، فيقدما عام 1988 فيلمهما ذا العالم الخاص "سمع هس" الذي قام-شريف عرفة- بمغامرة إنتاجه مع "ماهر عواد" و "ممدوح عبد العليم" ثم لا يلبث "شريف عرفة" أن يكتسب جرأة فنية أكبر ليغامر بإخراج فيلمه "يا مهلبية يا" 1991* الذي كان أكثر فانتازية مع توأمه أيضا "ماهر عواد". 
    و المتتبع لتاريخ "شريف عرفة" السينمائي سيجد أن أفلامه التي بلغت في مجموعها- حتى الآن- أربعة عشر فيلما، دائما ما كانت تقدم لنا فنا جميلا راقيا يحاول من خلاله معالجة قضايا جادة فقدم "اللعب مع الكبار" 1990 ، "الإرهاب و الكباب" 1992 ، "المنسي" 1993 ، "طيور الظلام" 1995 ، "النوم في العسل" 1996 ، ثم الفيلم الجميل ذو الطابع الهادئ الرومانسي "اضحك الصورة تطلع حلوة" 1998 ليكون ذلك الفيلم آخر أفلام "شريف عرفة" الجادة و القوية التي كان يحاول تقديمها، و من ثم يصاب بانتكاسة مقلقة بادئا العد التنازلي نحو السقوط- لست أدري لماذا- فقدم "عبود علي الحدود" 1999 ثم " الناظر" 2000 ، و من بعدهم الفيلم الذي فشل فنيا و جماهيريا "ابن عز" 2001 ، لينتهي بفيلمه "مافيا" 2002 و الذي حاول من خلاله إعادة الاتزان إلى فنه الذي أهدره في أفلامه الأخيرة.
    و لعل الموهبة الفنية الأصيلة و امتلاك الأسلوب الإخراجي المميز لدي "شريف عرفة" متضافرا بتعاونه مع سيناريست موهوب هو الآخر "ماهر عواد" ثم "وحيد حامد" فيما بعد كانا من أهم سمات و مبررات نجاحه سابقا؛ إلا أنه حينما اتجه للتعاون مع غيرهما بدأ العد التنازلي نحو الفشل الفني و نقصد بذلك تعاونه مع السيناريست "أحمد عبد الله" الذي يميل إلى الاستسهال و سلق الأفلام و من ثم أصابت العدوى "شريف عرفة" مما عاد عليه بأثر سلبي فاتجه اتجاهه تحت دعوى أنهما يقدمان أفلاما كوميدية.
    نقول أن ما أصابنا بالدهشة الشديدة هو اتجاه مخرج متميز مثله إلى مثل هذا التهريج علي الرغم من بداياته القوية السابقة، و لعلنا تساءلنا كثيرا عن ماهية الدافع الذي يجعل مخرجا بمثل هذا التميز إلى النحو مثل هذا المنحي؟ هل هو يمر بفترة كساد و عدم تواجد أي فرص إخراجية؛ فقبل إخراج مثل هذه الأفلام تحت دعوى أن "اليد البطالة.." ؟ أم أنه فعل ذلك كي يستطيع التكسب و أكل العيش و من ثم إطعام أطفاله و إلا ستصيبه حالة شديدة من الإفلاس المادي؟ أم أن المشكلة هي عدم وجود نص مكتوب بشكل جيد مما يدل علي أننا نمر بأزمة خطيرة لا فكاك منها إلا بالاقتباس من الأعمال الأجنبية أو السعي وراء التهريج؟.
    و إذا كان هذا هو الحال و الدافع بالنسبة "لشريف عرفة" فما الذي دفع بقية صناع الفيلم إلى الاشتراك في مثل هذه الجريمة التي لا بد أن يندموا عليها جميعا لإخراجهم مثل هذا العمل إلى النور بداية بالمنتج "مجدي الهواري" الذي نعرف عنه الرغبة الدائمة في التكسب من صناعة السينما لا غير، مرورا بمدير التصوير "أيمن أبو المكارم" الذي كان هو الحسنة الوحيدة في الفيلم بتصويره الجميل و إضاءاته المتناسبة، حتى نصل إلى الممثلين "سامي سرحان" بتاريخه الفني الطويل الذي يحاول دائما طمسه و إضاعته هباءا باشتراكه في مثل هذه الأفلام، "حسن حسني" الذي ينحو نحوه، ثم "هشام سليم" ذلك الفنان المتميز الذي لا يكاد يذكر اسمه حتى نقول جميعا أنه يمثل جيلا جميلا ظلمته السينما كان من الممكن أن يأخذ فرصته هو و "ممدوح عبد العليم"، "شريف منير"، "محسن محي الدين" فكانوا جميعا بمثابة موهبة أخاذة لم تستغل الاستغلال الأمثل و من ثم اندفع بعضهم- للأسف- للاشتراك في مثل هذه الأعمال و إلا ماتوا نتيجة عدم قدرتهم علي ممارسة الفن الذي يؤمنون به، و بالتالي قبل واحد مثل "هشام سليم" أن يكون ممثل درجة ثانية أو سنيدا- رغم موهبته العملاقة- " لعلاء ولي الدين" المتوسط الموهبة.
    و لعل اللوم يقع كذلك علي الممثلة الصاعدة "بسمة أحمد" التي كانت بدايتها كذلك قوية إلى حد بعيد باشتراكها في فيلم "المدينة" للمخرج "يسري نصر الله" و من ثم انتظرنا منها المزيد من الأعمال الجادة إلا أنها فاجأتنا باشتراكها في مثل هذا الفيلم كسنيدة أيضا "لعلاء ولي الدين".
    أقول أن مثل هذه التساؤلات التي كادت أن تصيبنا بصداع مزمن، كذلك انقلاب الهرم الفني بمثل هذا الشكل جعلنا بالتالي نحاول تأمل تجربة "علاء ولي الدين" الذي صار- هكذا بين يوم و ليلة- نجما يتكالب عليه المخرجون المميزون و الممثلون الموهوبون ليحرقوا أنفسهم تحت أقدامه صانعون منه "النجم الأسطورة" تلك النظرية التي تناولناها من قبل- و التي تؤكد أن النجم قد يكون جيد الموهبة أو متوسطها إلا أن نسج مجموعة من الخيوط العنكبوتية حوله و التي تحمل في مضمونها الإطراء الزائد عن

المزيد


حول السينما النظيفة و السينما التي ماتت

فبراير 11th, 2008 كتبها صلاح سرميني نشر في , محمود الغيطاني

  

محمود الغيطاني
نشرت بمجلة الهلال عدد ديسمبر 2007

  حينما تردد علي أذني كثيرا قول العديد من الصحفيين و المثقفين و بعض النخبة عن" السينما النظيفة" وقعت في حيرة كبيرة، بل لعلّي لا أنكر أن الأمر استفزني نتيجة عدم قدرة عقلي القاصر و ثقافتي المحدودة الضحلة- التي أتمتع بها- علي استيعاب ما يقصدونه بكلامهم فماذا يقصد هؤلاء القوم من قولهم" السينما النظيفة" ؟
    أيقصدون بها تلك السينما الخالية من الأوساخ و الأوشاب؟ أم هي السينما التي يحرص أصحابها علي غسلها بأحدث مساحيق الغسيل؟
    لا أنكر أني وقعت في حيرة كبيرة نتيجة عجزي، بل فشلي التام في فهم مثل ذلك الاصطلاح العصيّ؛ حتى لقد تأخرت حالتي الصحية نتيجة امتناعي عن الطعام، بل و ساءت حالتي النفسية حتى كدت أن أجن، و صار الجميع يرونني بملابسي المبعثرة غير المهندمة بعد أن كانوا يضربون بي المثل في الأناقة، إلا أن أحد الأصدقاء المخلصين أشار علّي مخلصا بعدما عرف السبب فيما أنا فيه من حالة يرثى لها أن أبحث عن معنى قولهم هذا في المعجم علّه يشفي غليلي و يريحني مما أنا فيه، ففعلت على مضض..
السينما النظيفة و السينما غير النظيفة
    نظف- نظافة فهو نظيف أي نقي من الدنس و الجمع نظفاء، و نظّفه أي نقاه، تنظف أي صار نظيفا و يقال فلان يتنظف أي يتنزه عما يشين و يترفع، و استنظف الشيء أي أخذه نظيفا، و المنظفة هي ما ينظف به، و النظيف هو ما لا قذر فيه، و يقال هو نظيف الأخلاق أي مهذب.
    و" السينما النظيفة" هي ما لا معنى لها لا في معجم و لا في أية لغة من اللغات الحية أو الميتة اللهم إلا في عقول هؤلاء الذين ابتدعوا العديد من الاصطلاحات الجديدة علينا مثل" السينما النظيفة"، و"سينما الأسرة"، و"سينما لا تخجل منها أنت و أسرتك"، و ما إلى ذلك من هذه الاصطلاحات التي خرج بها علينا في الآونة الأخيرة بعض أهل الفن و الصحافة- الجاهلين أساسا بمعنى الاصطلاح و الفن السينمائي- ليصدعون بها رؤوسنا ليل نهار.
    فما المقصود من قولهم هذا؟ هل هي السينما غير القذرة التي لا تشوبها الأوساخ و الأدران كما سبق أن قلنا؟ إنها بهذا المعنى تجعلنا نضرب أخماسا في أسداس للبحث في تاريخ السينما المصرية بل و العالمية أيضا عن تلك السينما التي تملؤها الأدران، إلا أنني بعد بحث طويل أرهقني كثيرا لم أستطع العثور على مثل تلك السينما مما جعلني أجزم بأنني أخطأت التفسير و أن المقصود من ذلك المصطلح الجديد هو السينما المستقيمة الخالية من أية أفكار مؤدلجة تحاول التنظير للفكر اليساري أو اليميني، إلا أنني بعد بحث آخر مضن لم أتحقق من صدق ما ذهبت إليه فوقعت في حيرة كبيرة حتى هداني تفكيري القاصر بعد العديد من المحاولات و التجارب التي تهجدت فيها للمولي عز وجل أن يهديني إلى الحقيقة- فالتزمت منزلي و جعلت أصلي لله ليل نهار، بل و تركت لحيتي و ارتديت الجلباب و السروال و زهدت الدنيا و من فيها- فهداني الله إلى أن المقصود من قولهم هو السينما التي يمتنع فيها اللمس بين الرجل و المرأة- محافظة على السلوك العام و من ثم الوضوء- فأدركت أنهم أخطأوا التعريف عن غير قصد- لأن الأعمال بالنيات- و أنهم قصدوا في المقام الأول اصطلاحا آخر خانهم فيه التعبير و هو" سينما ممنوع اللمس"..
    علّ مثل هذا الاتجاه الجديد و الذي بدأ يطفو على السطح منذ فترة ليست بالبعيدة قد بات يمثل اتجاها قويا يرسخ لمجموعة من الأفكار و الاقتناعات الخاصة التي بدأت تفرض نفسها فرضا على العديد من أفراد المجتمع مثقفين و غير مثقفين، و لعلنا إذا ما حاولنا الرجوع إلى البدايات الأولى لمثل هذا الاتجاه المتجهم في خطابه و نظرته للمجتمع لألفينا أنه قد وجد تربته الخصبة الصالحة للنمو منذ أواخر السبعينيات و البدايات الأولى للثمانينيات من القرن الماضي حينما حاول الرئيس الراحل" السادات" ضرب خصومه من التيارات الأيديولوجية المختلفة بعضهم ببعض و من ثم فقد بدأ يضخم من الاتجاه السلفي الديني الذي يتميز أغلبه بفهم الدين من خلال منظوره الخارجي- أي القشور- في مقابل الاتجاه اليساري- و المد الشيوعي- الذي بدأ يتعاظم أثره في المجتمع، و هنا قويت شوكة هذا الاتجاه السلفي؛ فبدأ خطابه الديني يتجه نحو الجهامة و القسر بدلا من الدعوى بالحسنى؛ فأدى ذلك إلى رؤيتهم للمجتمع من خلال منظور خاطئ يرى في معظم أفعال الآخرين حراما و عيبا و غير متوافقة مع آداب المجتمع، ثم سرعان ما انسحبت مثل هذه الرؤية الضيقة- نظرا لأنهم يرون أن الدين قادر على فهم كل أمور الحياة و هضمها و من ثم التدخل فيها بقانونه و منطقه الخاص- على السينما فرأوا فيها هم و غيرهم من المتحفظين و المحافظين و غلاة الأخلاق شرا لا بد من استئصاله و من ثم القضاء عليه نظرا لأنها من وجهة نظرهم تدعو إلى الفاحشة و الخطيئة و الفسق بما تصوره و تقدمه لهم من مشاهد عري و ابتذال و قبلات و ما إلى ذلك مما يعتقدونه هدما للمجتمع و أخلاقياته و تقاليده البالية المتعارف عليها منذ القدم- على الرغم من كون ما تقدمه لنا السينما ليل نهار نمارسه جميعا في حياتنا كل يوم بل و كل ساعة، بل و على الرغم من أن السينما فيما تقدمه لنا لا تقصد قصدا عمديا في تقديم الجنس لنا- على افتراض تقديمه- كما يرونه هم، بل إن الأمر مجرد منطق خاص للسيناريو لا يمكن أن يتم سوى به لأنه من أساسيات العمل الروائي-.
    و بذلك رأينا عام 1986 قضية من أغرب القضايا التي ظهرت في المجتمع المصري و التي قصد بها فرض الرقابة الاجتماعية على السينما المصرية- فصار هناك رقيبان خارجيان هما المجتمع و الرقيب على المصنفات، هذا فضلا عن الرقيب الداخلي- حينما أثيرت قضية الفعل الفاضح العلني* عند عرض فيلم" للحب قصة أخيرة" للمخرج العبقري" رأفت الميهي" فتقدم البعض ببلاغ للنائب العام يفيد بأن هناك فعلا فاضحا تم بين" يحيي الفخراني"، " معالي زايد" الأمر الذي جعل المخرج و الفنانون يدافعون فيه عن أنفسهم باعتبار أن مشهد الفراش و اللقاء الجنسي الحميم كان من صميم العمل؛ حيث كان الزوج مصابا بمرض في القلب و عليه فانه يترتب على لقائه مع زوجته الكثير من أحداث الفيلم، و على الرغم من مرور القضية بسلام حيث تمت تبرئة كل من" معالي زايد" ،" يحيي الفخراني" من التهمة الجديدة بل و الشاذة التي وجهها لهم المجتمع صاحب القيم الجديدة، إلا أنها سرعان ما عادت تطفو على السطح مرة أخرى حينما تقدم البعض ببلاغ آخر للنائب العام ضد" ممدوح وافي" ،" معالي زايد" أيضا عند عرض فيلم" أبو الدهب" 1996 للمخرج" كريم ضياء الدين" ، بل و حينما تقدم أحدهم ببلاغ ضد "يسرا" لأنها تظهر في أفيشات فيلم" طيور الظلام" للمخرج "شريف عرفه" 1995 بصورة غير لائقة تخدش الحياء العام، حتى لقد صار الأمر و كأن الجميع بدءوا يترصدون السينما المصرية بل و يبحثون فيها بالمجهر عما يتعارض مع معتقداتهم الخاصة و أخلاقياتهم كي يبدأون في إثارة الضجيج و من ثم اتهام السينما بعدم نظافتها و رغبتهم في سينما أكثر نظافة لا يشعرون فيها بالحرج من أولادهم و بناتهم حينما يدخلون لمشاهدتها.
    و هنا بدأت تظهر لنا طائفة جديدة من مشاهدي السينما الذين يحرصون على دخول دور العرض ليس لمجرد المشاهدة بل للبحث و التنقيب عما يرونه ليس نظيفا و من ثم يبدأون في الصياح و الضجيج بأن ما يقدم لا بد من إلغائه و حذفه بل و تفعيل دور الرقابة- التي هي تخنقنا بالفعل يوما بعد يوم-.
    ثم لا يلبث أن يخرج علينا أحد مقدمي البرامج الذي يعمل بمجال الصحافة الفنية و الذي كنا نظنه إلى حد كبير على درجة لا بأس بها من الوعي- بل و يفعل مثله العديد من الإعلاميين و غيرهم الذين لم نكن ننتظر منهم ذلك- ليتساءلوا عن السينما النظيفة و غير النظيفة، و كيف نستطيع القضاء علي تلك غير النظيفة- و كأنما الأمر قد صار قضية نوعية من أفلام البورنو التي تقدمها السينما المصرية- فنرى ذلك المقدم يسأل الفنانة الشابة" منة شلبي" ليقول لها( هل تعتقدين أن سلوكك يتناقض مع آداب و أخلاقيات و تقاليد المجتمع؟) أو ما هو يعطي هذا المعنى، مما جعلها تتنمر و تنظر إليه مستفزة لتتساءل( ماذا تقصد بالضبط من سلوكي و عادات و أخلاقيات المجتمع؟).
    بالطبع مثل هذا التساؤل من قبل" منة شلبي" و مثل هذا التحفز الذي ظهر على قسماتها وقت سماعها للتساؤل كان في محله و نلتمس لها فيه الكثير من العذر؛ لأنه سبق و تم سؤالها لماذا رفضت الأدوار التي عرضت عليها في فيلمي" الساحر" للراحل" رضوان الكاشف" 2001 ثم " مواطن و مخبر و حرامي" للعبقري "داود عبد السيد" 2001 ، ثم لأن الجميع بدءوا يحصرونها و من ثم بوتقتها في حيز ضيق يكاد أن يخنق موهبتها الناضجة و هو حيز الإغراء، ثم لأن المجتمع حولها يكاد أن يتهمها من خلال نظرته الانغلاقية الضيقة النابعة من الجهل التام و الخطاب الديني المتجهم- الذي لا يكاد يري في السينما و الفن سوى الضلال الذي لا بد من القضاء عليه- بأنها فاسقة أو خارجة عن العرف الاجتماعي..
    كل هذه العوامل متضافرة جعلتها ذات مرة و في غير حديث لها تحاول التجمل أو فلنقل التنظف و من ثم التحلي بصفات الرياء الاجتماعي الذي هو اتجاه "برجماتي" بحت- يحاول خداع المجتمع حوله بإعطائه الصورة التي يرغبها و يشتهيها في مقابل الفوز باحترام و تأييد ذلك المجتمع الذي بدأ يسيطر فيه بعض شرائح الطبقة الوسطى من أنصاف المتعلمين و الجهلة- فتقول أنها رفضت مثل هذه الأدوار في البداية لأنها تحتوي على بعض المشاهد التي تخجل من كون والدها أو شقيقها أن يراها فيها، و حينما تم سؤالها عن هذه المشاهد و هل المقصود منها القبلات؟ نراها تقول بملء فيها" طبعا" *و كأن ما تؤديه من مشاهد سينمائية- من المفروض أنها محض خيال يبتعد كثيرا أو قليلا عن الواقع المعاش- عيب لا بد من التبرؤ منه.
    و بذلك نرى الجميع من حولنا قد أصيبوا بحالة ميئوس منها من "الشيزوفرانيا" الاجتماعية فيقولون ما لا يفعلون، بل و يسلكون سلوكا ما ثم سرعان ما يتبرأون منه نظرا للحلقة الملتهبة بل و الجهنمية التي يضيقها المجتمع حولنا يوما بعد آخر.
    إلا أننا على الرغم من التماس العذر لفتاة في مقتبل العمر لم تعرك الحياة بعد، و لم تتكون لها اقتناعاتها الخاصة التي تستطيع من خلالها الدفاع عن سلوكها و من ثم فنها الذي تقدمه لنا مثل "منة شلبي"، فنحن لا نستطيع على الإطلاق التماس مثل هذا العذر لمقدم ذلك البرنامج الذي يحاول السير في ذات الطريق و من ثم انتهاج نفس النهج الذي يفكر به مثل هؤلاء- المسطحي بل و المنعدمي الثقافة- الذين يتحدثون مثل هذا الحديث- و كأنه لا بد أن يكون فردا من أفراد الجوقة حتى لا يشذ عنهم فيتم لفظه من الجماعة التي هي الجزء الأعظم من المجتمع- و يتوجهون إلى السينما بمثل هذا الخطاب إلا إذا كان الأمر بالنسبة له أيضا مجرد" برجماتية" محضة يحاول من خلالها تجميل صورته أمام الجمع و من ثم تبرئة نفسه من اتهام موافقته على ذلك الفن السينمائي الذي هو عيب و حرام و مقزز بل و يقدم لنا كل ما يحاول هدم الأخلاق- من وجهة نظرهم-.
   إلا أن التساؤل الذي لا بد أن يطرح نفسه هنا هو إذا كانت أفلام مثل "الساحر" للراحل "رضوان الكاشف" 2001 ،" مواطن و مخبر و حرامي" للعبقري "داود عبد السيد" 2001 ، "عرق البلح" للراحل "رضوان الكاشف" أيضا 1998 ، "سوق المتعة" للمخرج "سمير سيف" 2000 ، "مذكرات مراهقة" للمخرجة "إيناس الدغيدي" 2002 و غيرها من الأفلام تعد من قبيل السينما غير النظيفة فما هي السينما النظيفة من وجهة نظرهم؟ هل هي "اللمبي" للمخرج "وائل إحسان" 2002 ، "55 إسعاف" للمخرج "مجدي الهواري" 2001 و غيرها من الأفلام التي لا نرى لها مضمونا على الإطلاق يستطيعون من خلاله أن يقدموه لنا؟
    بل و السؤال الأقوى الذي لا بد أن يطرح نفسه هنا هو هل مثل هذه الأفلام التي تقدم لنا "اللمبي" و غيره من الممكن اعتبارها أفلاما نظيفة على الرغم مما تقدمه لنا من نماذج مشوهة شديدة التأزم للشباب من مساطيل يمسكون المطواة ليل نهار و يعتبرون البلطجة أسلوبا و نهجا خاصا للحياة لا بد منه مما قد يؤدي إلى نشأة أجيال كاملة تتخذ من "اللمبي" و غيره نموذجا لها لا بد من الاحتذاء به؟
    أم أن الأمر قد صار مجرد مغازلة الجمهور الجديد نوعا على السينما المصرية الذي بدأ يرتاد دور العرض و الذي يرغب في سينما جديدة متشنجة خالية من الملامسات؛ فبتنا نرى الإعلانات على العديد من الأفيشات لتقول لنا بكل صفاقة " فيلم لا يخدش حياء الأسرة" ، " فيلم تستطيع أن تشاهده أنت و أسرتك" و ما إلى ذلك من تلك الرسائل الموجهة إلى نوعية خاصة من الجمهور المتشنج الذي يرفع شعار "سينما اللاملامسة" أو " سينما ممنوع اللمس" ؟
    و بمثل هذا المنطق العجيب فهل يعد فيلم "أبي فوق الشجرة" للراحل "حسين كمال" 1969 من قبيل الأفلام غير النظيفة نظرا لما يكتظ به من قبلات متعددة و حارة بين "عبد الحليم حافظ" ، "نادية لطفي" ، "ميرفت أمين" أم يعد من قبيل الأفلام النظيفة؟
    من الضروري بناء على ذلك إعداد قائمة لرواد السينما غير النظيفة مثل "أبي فوق الشجرة" للراحل "حسين كمال" 1969 ، "أعظم طفل في العالم" للمخرج "جلال الشرقاوي" 1973 ، "المذنبون" للمخرج "سعيد مرزوق" 1978 ، "قطة علي نار" للمخرج "سمير سيف" 1976 و الذي تناول رواية عالمية للروائي الأمريكي "تنيسي وليامز" و هي رواية "عربة اسمها اللذة" و الذي تكمن عدم نظافته في تركيزه على موضوع " العلاقة المثلية" باعتبارها أحد محاور الفيلم الأساسية، "أرجوك أعطني هذا الدواء" للمخرج "حسين كمال" 1982 و الذي تناول رواية شهيرة "لاحسان عبد القدوس" تصور زوجة شابة يعجز زوجها-رغم براعته- عن منحها الإشباع الجنسي الكافي مما يسبب لها اضطرابات عصبية و نفسية تضطر إزاءها لاستشارة طبيب نفسي تسعى إلى إقامة علاقة جنسية معه بعد ذلك، و جميع أفلام "إيناس الدغيدي" و الراحل "حسن الإمام" لنخرج من تلك القائمة بأن جميع مخرجي السينما المصرية كانوا من رواد السينما غير النظيفة، بل و أن كل تاريخنا السينمائي لا بد من حرقه و التخلص منه نظرا لعدم نظافته.
    إني أفهم جيدا أن السينما كفن له خصوصيته؛ ف

المزيد


سيرجي أيزنشتاين…سينما تتحدث ثورة

ديسمبر 22nd, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , محمود الغيطاني

محمود الغيطاني
 
   في العام 1925 خرج علينا المخرج الروسي "سيرجي أيزنشتاين"- أبو فن المونتاج السينمائي- بفيلمه الثوري، الأكثر شهرة في تاريخ السينما العالمية "المدرعة بوتمكين"، ولعل هذا الفيلم- بالرغم من أهميته القصوى ومكانته في تاريخ السينما العالمية- يكاد يكون- إن لم يكن الوحيد في ذلك- من أكثر الأفلام على الإطلاق منعا ومصادرة وتقطيعا لأوصاله في الكثير من دول العالم؛ نتيجة لحسه الثوري العالي الذي يحاول الإعلاء من قيمة الثورة المجردة، وحق الإنسان فيها ضد الظلم وسلب الحقوق، هذا فضلا عن تمجيده الكبير لثورة تشرين العظمى- الثورة الشيوعية البلشفية بقيادة فلاديمير لينين-، ولذلك (ضربت ألمانيا، جمهورية "فايمر" الرقم القياسي في فحص الفيلم، فقد ظل على طاولة الرقيب بين المنع والإجازة 8 أشهر، من آيار وحتى تشرين الأول عام 1926 ، وحتى حين عرض أخيرا اضطرت اللجنة إلى الانعقاد بسببه ثلاث مرات وأصدرت تعليمات بمنع الشباب من حضور العرض لأن مضمونه "ذو تأثير سيئ على عقولهم"، كما عرض الفيلم في فرنسا لأول مرة في 18 تشرين الثاني 1926 بباريس في قاعة أجّرتها بالمناسبة- ولعرض واحد بعد الظهر- جماعة "نادي السينما" ثم انتقل العرض في قاعات عديدة بفضل جماعة "أصدقاء سبارتكوس" التي نظمت عروضا خاصة، وقد دفعت هذه الجماعة ثمن حماسها، فقد صدر أمر قضائي عام 1928 بحل الجماعة وحظر نشاطها، وهكذا واجه الفيلم أخيرا مقاطعة كاملة في فرنسا من بينها قاعات العرض التقليدية، ولم يرفع الحظر عن "المدرعة بوتمكين" إلا في عام 1953 قبل عشر سنوات من السماح بعرضه على الجمهور العام في اليابان وسبع سنوات من ذلك في ايطاليا)[1] ، ولعل مثل هذه الأمور جميعا تجعلنا نتساءل مندهشين، لم يتم فعل كل هذا القطع والمنع والمصادرة في حق فيلم لم يقدم سوى ثورة لمجموعة من البحارة على سطح إحدى السفن الحربية نتيجة سوء أحوالهم المعيشية والقهر الذي يواجهونه من قبل ضباط هذه السفينة؟
   علّ الإجابة على مثل هذا التساؤل لا يمكن إدراكها إلا إذا عرفنا ظروف صناعة هذا الفيلم، والظروف التاريخية التي أحاطت به، يذكر أنه في عام 1905 قامت ثورة بسيطة- ولعلها كانت النواة الأولى لإشعال ثورة تشرين العظمى على القيصر في 1917 – كان روادها من العمال الذين ثاروا على ظلم الحكم القيصري وعدم إعطاء العمال كامل حقوقهم، وان كان السبب الرئيس لقيام تلك الثورة هو فصل عاملين من العمال فصلا تعسفيا مما أدى إلى إضراب بقية العمال مؤازرة لزميليهم، ولكن بعد شهر من الإضراب ومحاولة العمال التوجه إلى قصر القيصر "نيكولاس" كي يعرضون عليه مطالبهم- لاسيما وأنهم كانوا يظنون به دائما خيرا باعتباره الأب العطوف- فوجئوا بالجنود القوزاق يطلقون عليهم النيران ليقع منهم ألف قتيل وألفين من الجرحى مما أدى بهم إلى الثورة على القيصر نفسه وإقامة المتاريس والمطالبة بحقوقهم من خلال

المزيد


ليلة ساخنة…رحلة كابوسية في ليل القاهرة

نوفمبر 27th, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , محمود الغيطاني

 
محمود الغيطاني  ـ القاهرة
 
 
   في الأربعينيات من القرن الماضي أطلق المخرج الإيطالي "روبيرتو روسلليني" مقولته السينمائية الشهيرة (قبل كل شئ علينا أن نعرف الناس كما هم، يجب أن نحمل الكاميرا و ننطلق إلى الشوارع و الطرقات و ندخل البيوت، إذ يكفي أن نخرج إلى أي منعطف و نقف في أي مكان، و نلاحظ ما يدور بعيون يقظة لكي نخرج فيلما سينمائيا ايطاليا حقيقيا).
   ربما كانت هذه المقولة السينمائية الهامة التي أطلقها "روبيرتو روسلليني" معبرة عن وجهة نظر تحمل قدرا ما من الأيدلوجية بعد اندحار الفاشية؛ و لذلك رغب في الخروج إلى الشارع و التعرف على الناس واتجاهاتهم و رغباتهم و أحلامهم و آمالهم في مقابل المد الفاشي المنصرم، إلا أنها في ذات الوقت كانت بداية حقيقية لسينما الواقعية التي بدأت تسود العالم منذ ذلك الحين، حينما خرجت الكاميرا المحمولة إلى الشارع، و لعل فيلمه الهام "روما مدينة مفتوحة"1944 (الذي عبر عن معاناة سكان مدينة روما تحت الاحتلال الألماني، المدينة التي ما زالت تعاني أهوال و خراب الحرب، و الذي قدمه عام 1945 كمانفيستو للمدرسة الجديدة التي أطلق عليها اسم الواقعية الجديدة)[1]بعد اندحار الفاشية خير دليل على ذلك.
   و لكن، لعل السبب الأساس الذي أدى لبداية ظهور السينما الواقعية في ايطاليا و من ثم انتشارها فيما بعد في جميع أرجاء العالم، هو تلك الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي مر بها العالم و على وجه الخصوص أوروبا إبان الحروب العالمية في ثلاثينيات و أربعينيات القرن المنصرم؛ مما أدى إلى إفلاس الكثير من المصارف المالية التي كان يلجأ إليها جميع صنّاع السينما تقريبا للصرف على البلاتوهات و استوديوهات السينما، و ما تحتاجه تلك البلاتوهات من أدوات و كاميرات و روافع و ما إلى ذلك، و هنا وقع جميع صناع السينما الإيطالية في مأزق عدم وجود الموارد المالية التي لابد من توافرها من أجل إنتاج أفلامهم المزمع صناعتها، إلا أنهم للخروج من تلك الأزمة الطاحنة المهددة لصناعة السينما عندهم بالموت فكروا في الخروج إلى الشارع و التصوير في المنازل بدلا من البلاتوه؛ فحملوا الكاميرا على أكتافهم، و كان خروجهم إلى الشارع إيذانا بمولد موجة جديدة في السينما العالمية أطلقنا عليها اسم الواقعية الجديدة التي تمتح مادتها الخام من البشر العاديين الذين دخلوا لأول مرة داخل الكادر كخلفية بشرية- حقيقية و حية- للممثلين الحقيقيين- سواء كان هذا الدخول بأصواتهم فقط أم بأجسامهم أيضا-؛ و بالتالي اكتسبت صناعة الأفلام السينمائية المزيد من الصدق و الموضوعية و الواقعية لأنها تعاملت مع الطبيعة التي يعرفها الناس- لا الطبيعة المصنوعة داخل البلاتوه-.
   و لكننا نلاحظ أن هذا الاتجاه على الرغم من أهميته في تاريخ السينما العالمية، إلا أنه كان وليد المصادفة البحتة- بمعنى أنه لم يكن مرتبا له أو مبنيا على نسق فكري معين في بدايته- نتيجة الظروف الاقتصادية التي مرت بها صناعة السينما في ذلك الوقت، إلا أن هذا الاتجاه بدأ ينتشر في العالم كله و يلاقي الكثير من القبول و الإعجاب فيما بعد.
   و في أواخر السبعينيات من القرن الماضي و بداية الثمانينيات كانت السينما المصرية تسبح في لجة مظلمة بسبب الكثير من الأفلام التي لا تمت للسينما بصلة، و البعيدة عن عالمها الحقيقي كل البعد، تلك الحقبة التي أطلقنا عليها ما أسميناه بأفلام سينما المقاولات التي اتخذت من السينما وسيلة هامة من وسائل التربح فقط دون الاهتمام بصناعة السينما كصناعة جادة، و بالتالي كان الكثيرون من المنتجين و المخرجين يهتمون بصناعة أفلام و القيام بتعليبها في شرائط فيديو دون الاهتمام بالعرض السينمائي من أجل تصديرها و بيعها لدول الخليج التي تغدق عليهم الكثير من أموال النفط- التي لن تأتيهم من السوق السينمائي المصري إذا ما اهتموا بصناعة سينما جادة- إلا أنه في تلك الآونة بدأت بعض الأصوات السينمائية الجديدة، و الجادة في تعاملها مع ذلك الفن البصري في الظهور على السطح الآسن لثقافتنا السينمائية، و لقد كانت تلك الأصوات تحمل الكثير من الهموم و الآمال و الطموحات و الثقافة البصرية ما يؤهلها لإحداث ثورة من حيث المضمون و الشكل في صناعة السينما المصرية آنذاك، لاسيما أنهم كانوا يعملون في مجال السينما منذ فترة ليست بالقصيرة، إما من خلال صناعة الأفلام التسجيلية مثل "خيري بشارة" الذي قدم "صائد الدبابات"1974 و غيرها من الأفلام التسجيلية التي كان آخرها- قبل بدء مرحلة السينما الروائية- "حديث الحجر"1979 ، "داود عبد السيد" الذي قدم كذلك العديد من الأفلام التسجيلية الهامة منها "وصية رجل حكيم في شئون القرية و التعليم"1976 ، كذلك فيلمه "العمل في الحقل"1979 و غيرها من الأفلام الهامة، و "محمد خان" أيضا الذي خرج من كنف السينما التسجيلية، أو العمل بكتابة السيناريو مثل المخرج "رأفت الميهي" منذ بدايته عام1967 بسيناريو فيلم "جفت الأمطار" للمخرج "سيد عيسى"، حتى آخر سيناريو كتبه لغيره من المخرجين عام1975 "على من نطلق الرصاص" للمخرج "كمال الشيخ".
   و هنا رأينا فيلم "ضربة شمس" أولى أفلام المخرج "محمد خان" الروائية الطويلة عام1980 الذي كان إيذانا بميلاد موجة جديدة في السينما المصرية أطلقنا عليها اسم الواقعية الجديدة أو السينما الجديدة- كما يفضل الناقد أحمد يوسف أن يطلق عليها- التي اهتمت اهتماما خاصا بالخروج إلى الشارع و تصوير الناس و الحياة الطبيعية و معاناتهم من خلال الكاميرا المحمولة- تماما كما كان الأمر في السينما الواقعية الإيطالية- و من ثم تتالت علينا في فترة قصيرة العديد من الأفلام التي تهتم بهذه الروح الجديدة للعديد من الأسماء التي انحصرت في "رأفت الميهي" و فيلمه "عيون لا تنام"1981 ، "خيري بشارة" و فيلميه "العوامة70 "، "الأقدار الدامية"1982 ، "عاطف الطيب" و فيلمه "الغيرة القاتلة"1982 ، "داود عبد السيد" و فيلمه "الصعاليك"1985 بالإضافة إلى "محمد خان".
   إلا أننا نلاحظ أن ظهور الواقعية الجديدة في السينما المصرية لم يكن وليد المصادفة كما حدث في السينما الإيطالية؛ فلقد كانت ظروف صناعة السينما المنهارة تماما في ذلك الوقت، و انهيار الكثير من الأحلام و الآمال الكبرى الممثلة في الحلم القومي و المد الناصري و انتكاسة1967 بهزيمتنا القصوى، هذا فضلا عن إطلاع جميع هؤلاء المخرجين على جميع التيارات و المدارس السينمائية و منها بالضرورة الواقعية الإيطالية، و غير ذلك الكثير، إرهاصا لبداية تخلّق اتجاه جديد لابد أن يعلن عن نفسه في السينما المصرية.
   و لعلنا نلاحظ أن المخرج "عاطف الطيب" كان من أكثر مخرجي الواقعية الجديدة ظهورا و انتشارا و تميزا، لا لأنه أجودهم فنيا؛ و لكن لأنه كان أكثرهم التصاقا بالجماهير و تعبيرا عن الطبقات الكادحة من الشعب المصري و التعبير عن آمالهم و آلامهم و طموحاتهم و معاناتهم الشديدة التي استطاع نقلها إلى شاشة السينما بصدق، و لعل فيلمه الثاني "سواق الأتوبيس"1983 يعد من أكثر أفلامه واقعية و ميلودرامية أيضا و اقترابا من الناس و معاناتهم حينما قدم سائق الأتوبيس الذي يحاول باستماتة إنقاذ ورشة والده من البيع في المزاد العلني في حين أن الجميع غير مهتمين بذلك و ما صاحب هذا من أخلاقيات الأنا التي ابتعدت عن الاهتمام بالغير، تلك الأخلاق الجديدة التي صاحبت فترة الانفتاح الاقتصادي و ما صاحبها من تغير قيمي و أخلاقي و سلوكي، ثم تتالت أفلام المخرج "عاطف الطيب" فيما بعد فقدم عام1984 فيلمه "الزمار" الذي منعته الرقابة منعا باتا من العرض الجماهيري، و إن كان قد شارك في مهرجانات موسكو، برلين، القاهرة- نظرا لما يحمله من رسالة ثورية تحث الناس على المطالبة بحقوقهم- على الرغم من تجريدية الفيلم و ابتعاده التام عن السياق الواقعي الذي يميز سينما "عاطف الطيب" و اعتماده أكثر على الفكرة- إلا أنه سمح له بالتداول على أشرطة فيديو فقط- ثم رأينا عام1986 ثلاثة أفلام هامة دفعة واحدة و هي "الحب فوق هضبة الهرم"، "ملف في الآداب"، "البرئ" و هنا نلاحظ أنه اقترب في فيلميه الأوليين كثيرا من معاناة الطبقات الكادحة و البرجوازية في المجتمع المصري، فنراه في الفيلم الأول يصور معاناة شابين تزوجا و لا يستطيعا إيجاد شقة يمارسا من خلالها حياتهما الطبيعية، إلى أن يندمجا- في لحظة عاطفية و في مفارقة واضحة تحت سفح الهرم- في ممارسة حبهما فيتم القبض عليهما بدعوى الفعل الفاضح و اتهامهما بدلا من اتهام المجتمع و السلطة اللذين يتحملان العبء الأكبر مما حدث، بينما نراه في الثاني يقدم فتاة يعرض عليها أحد الشباب الزواج و بالتالي فلم تكن تتخيل أن ذهابها معه هي و صديقيها و رئيسها في العمل لرؤية شقته التي يمتلكها في وسط البلد ستكون سببا لاتهامهم جميعا بالدعارة من قبل أحد الضباط المصابين بالبارانويا- و ما أكثرهم، و كأن وزارة الداخلية حريصة على اختيار المرضى النفسيين ليكونوا ضباطا أو أنهم يتعلمون مثل هذه الأمراض داخل كلية الشرطة-، إلا أنه في فيلمه الثالث يكاد يكون تخطى الخطوط الحمراء رقابيا و سياسيا بحديثه عن بطش السلطة و ما يدور في المعتقلات من تعذيب و قتل و إهانة؛ و بالتالي حدثت لهذا الفيلم مجزرة رقابية و تم منعه من العرض و لم يتم الإفراج عنه إلا بعد حذف مشهد النهاية الذي يعد أهم ما في الفيلم لاكتمال رسالته الثورية التي يرغب في قولها.
   و من هنا نلاحظ ملاحظة هامة مفادها أن اهتمام "عاطف الطيب" بالتعبير عن الطبقات الكادحة و البرجوازية و

المزيد


ديل السمكة…مجتمع يتفسخ في حالة صخب

نوفمبر 25th, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , محمود الغيطاني

محمود الغيطاني 
علّ التساؤل الذي لا بد أن يرد إلى الذهن أثناء مشاهدة فيلم "ديل السمكة" للمخرج الجميل "سمير سيف" هو،هل هناك علاقة ما ، أو ارتباط وثيق بين كل من السيناريست "وحيد حامد" و السيناريست "بشير الديك"؟
بالرغم من أن التساؤل قد يبدو غريبا بعض الشئ إلا أننا نراه في محله تماما لكل من يستطيع تذوق الفن السينمائي؛ لأننا إذا ما تأملنا بعض ما كتبه السيناريست "بشير الديك" من أفلام سنرى منها- على سبيل المثال لا الحصر- "سواق الأتوبيس" للراحل "عاطف الطيب"1983 ، "ضد الحكومة" أيضا "لعاطف الطيب"1992 ،"زيارة السيد الرئيس" للمخرج "منير راضي"1994 ،"ليلة ساخنة" للمخرج "عاطف الطيب"1996 ،"جبر الخواطر" للمخرج "عاطف الطيب"1998 ،"كلام الليل" للمخرجة "إيناس الدغيدي"1998 ، و لعلنا نلاحظ من خلال هذه الأمثلة أن "بشير الديك" يحرص دائما على انتقاء القصة التي تعبر عن سيكولوجية و هموم الطبقة الدنيا في المجتمع، سواء كانت هذه الهموم سياسية أو اجتماعية أو معاناة اقتصادية، أو حتى وجودية كما لاحظنا مثلا في فيلمه البديع "ليلة ساخنة"؛ حيث كانت أزمة أبطال الفيلم أزمة وجودية بالأساس أكثر منها أزمة اقتصادية، كما نلاحظ أيضا اهتمام السيناريست "بشير الديك" بالكتابة و من ثم التعاون مع مجموعة مميزة و مختارة من المخرجين، بل كان معظم تعامله مع مخرج متميز يرغب هو الآخر في التعبير عن هموم الطبقة الدنيا من المجتمع و هو المخرج "عاطف الطيب"، كذلك تعاونه مع مخرج مميز آخر مثل "منير راضي"، و المخرجة "إيناس الدغيدي".
إلا أن الإجابة على التساؤل الذي طرحناه منذ البداية هنا لم تتم بعد؛ و من ثم فنحن بحاجة إلى التدليل على وجود علاقة من عدمها، فإذا نظرنا إلى أعمال السيناريست "وحيد حامد" سنرى منها على سبيل المثال "الغول" للمخرج "سمير سيف"1983 ،"التخشيبة" للراحل "عاطف الطيب"1984 ،"ملف في الآداب" للمخرج "عاطف الطيب"1986 ،"البرئ" للمخرج "عاطف الطيب"1986 ،"الإرهاب و الكباب" للمخرج البديع "شريف عرفة"1992 ،"كشف المستور" للمخرج "عاطف الطيب"1994 ،"طيور الظلام" للمخرج "شريف عرفة"1995 ،"النوم في العسل" للمخرج "شريف عرفة1996 ، و لعلنا نلاحظ أيضا من خلال هذه النماذج التي تم ذكرها أن السيناريست "وحيد حامد" حريص دائما على الإبحار و من ثم الغوص في أعماق المجتمع المصري، لاسيما الطبقة المطحونة من أجل التعبير عما يعانونه و إبراز مشاكلهم المزمنة- التي لا يمكن أن يطّلع عليها الآخرون ممن يعيشون في مجتمع آخر منفصل- فنراه يهتم اهتماما خاصا بالبسطاء و المهمشين داخل هذا المجتمع و من ثم التعبير عن قضايا هي قضايا كونية بالنسبة لهؤلاء البسطاء- و كيف لا يفعل وحيد حامد ذلك و نحن لا زلنا نذكر له ذلك المشهد البارع في فيلم "النوم في العسل" حينما جعل "عادل إمام" ضابط الشرطة ينظر إلى الناس في الشارع كي يتساءل (هو النهاردة كام في الشهر؟) ليرد عليه السائق( إحنا أول الشهر) فيقول( أمال الناس ماشية كسلانة كدا ليه؟)- لعل هذا المشهد من أكثر المشاهد تعبيرية عن قدرة السيناريست "وحيد حامد" على التقاط التفاصيل الدقيقة جدا، و المعبرة عن هموم المواطن المصري البسيط و المأزوم، و التي لا يستطيع غيره التقاطها، نلاحظ ذلك أيضا في فيلمه المميز بكوميدياه السوداء "الإرهاب و الكباب"، هذا الفيلم الذي اندهشنا اندهاشة قصوى حينما تم تقديمه على شاشة السينما؛ ربما لبساطته الموغلة في تفاصيل معاناة و ظلم الطبقة البسيطة من المجتمع المصري، كذلك نرى دائما "وحيد حامد" في جل أفلامه تقريبا من أكثر كتّاب السيناريو حرصا على فضح الفساد السياسي و الحكومي، و لعله ليس أدل على ذلك من فيلم "كشف المستور" الذي أوضح كيف قامت الحكومة المصرية في فترة من فتراتها بتعهير البلد تحت دعوى الوطنية و الانتماء، كذلك نلاحظ الفساد السياسي في فيلمه "طيور الظلام" و الذي يوضح لنا كيفية تبادل المصالح بين الحكومة و غيرهم من جماعات الإسلام السياسي، بالرغم من أن الموقف الرسمي للحكومة من هذه الجماعات هو الرفض التام، و لعله لا يمكن لنا نسيان فيلمه العبقري "البرئ" ذلك الفيلم الذي تعرض لأكبر مذبحة في تاريخ السينما المصرية حينما تمت مصادرة الفيلم و منعه من العرض، و لم يتم عرض الفيلم إلا بعد استئصال مشهد النهاية لأن السيد الرقيب رأى فيه إهانة للسلطة الحاكمة، و لعل الملاحظة الأخيرة التي نلاحظها على السيناريست "وحيد حامد"- بالرغم من كونها ملاحظة ثانوية إلا أنها لها أهميتها- أنه يحرص دائما على التعاون مع مخرجين مميزين يهتمون أيضا برصد التفاصيل الدقيقة لمعاناة المجتمع المصري مثل "عاطف الطيب"، "شريف عرفة"،" سمير سيف" و لعله في ذلك يشترك مع السيناريست "بشير الديك" في حرصهم على التعامل مع مخرجين معروفين برغبتهم في التقاط تفاصيل المعاناة و القهر خاصة المخرج الراحل "عاطف الطيب".

full shot لقطة شاملة كي تظهر لنا- عداد الكهرباء- (عمرو واكد) "أحمد عويس" يسير وحيدا بالرغم من ازدحام الناس من حوله بينما يبتعد ليتحول إلى قزم، ثم إلى نقطة في الزحام بينما نستمع إلى صوته في الخلفية السمعية يردد إحدى رباعيات الشاعر الراحل (صلاح جاهين) حتى يختفي تماما فنسمعه يقول:
في يوم صحيت شاعر براحة و صفا
الهم زال، و الحزن راح و اختفى
خدني العجب، و سألت روحي سؤال
أنا متّ، و لاّ وصلت للفلسفة
علّ انتهاء الفيلم بمثل هذا المشهد مع تعمد اختيار المخرج و السيناريست لهذه الرباعية للراحل (صلاح جاهين) لها معنى خاص يستشفها مشاهد الفيلم و التي تتمثل في أنه بعد أن اكتشف زيف كل ما يدور حوله، و بعد اكتشافه أنه لن يستطيع الوصول إلى ما يحلم به- بالرغم من وجود أمل بسيط مع المطربة التي اشترت أغنيته- و بعد ضياع حبيبته( حنان ترك) "نور" من يده، حين فضلت المال و الثروة و من ثم باعت نفسها لأحد الخليجيين كي تتخلص من الفقر الذي تعيش فيه- بالرغم من معرفتها أنه قد يزهدها و يتجه لغيرها في أية لحظة- نقول أن هذا المشهد يعني بعد كل ذلك أنه قد وصل إلى حالة هامة من حالات الإفاقة أو الكشف بالتعبير الصوفي و الفلسفي و من ثم وصل إلى قناعة مفادها رباعية (صلاح جاهين)، و لعل مشهد النهاية هذا يرتبط ارتباطا وثيقا مع مشهد بداية الفيلم الذي نجح المخرج "سمير سيف" أيما نجاح في التضفير و من ثم الربط بينهما؛ فنرى أثناء نزول تيترات الفيلم في البداية مشهد
close up
كلوز آب على وجه (عمرو واكد) "أحمد عويس" بينما هو يجري بقوة و قد انثال العرق الغزير على وجهه بينما نستمع إلى صوت لهاثه القوي في الخلفية السمعية، بل نراه يجري في جميع ربوع مصر و أزقتها و محافظاتها و حواريها حتى لكأنه لن يتوقف على الإطلاق عن هذا الجري، أو كأنه أحد الأغارقة الذين كتبت عليهم استعادة المتاهة إلى مالا نهاية، إلا أننا نكتشف عند نهاية تيترات المقدمة أنه لم يكن يجري بالفعل في أنحاء مصر، بل كان يجري على عجلة التخسيس بينما هو في مكانه لم يتحرك قيد أنملة، لكن بمجرد انتهاء التيترات نراه يصحو فجأة من كابوسه لنكتشف أنه حتى لم يكن يجري على عجلة التخسيس و أن الأمر كله لا يعدو أكثر من مجرد كابوس حينما يقول لأمه( ثلاث ساعات يا أما ما بطلتش جري).
و لعل مثل هذا المشهد في بداية الفيلم يكاد يكون (تريلر) لما سيحدث بعد ذلك داخل السياق الفيلمي، بل و ينبئ بأنه لن يستطيع الوصول إلى أي من أحلامه، بالرغم من بذله الكثير من الجهد في سبيل ذلك، فإذا ما ربطنا مشهدي البداية و النهاية تأكد لنا تفسيرنا للمشهد الأخير مع رباعية (صلاح جاهين).

إذن فنحن نستطيع القول أن السيناريست "بشير الديك" يرتبط بالسيناريست "وحيد حامد" إلى حد ما نظرا لأن كل منهما من أفضل كتّاب السيناريو الذين لديهم المقدرة و الرهافة العالية، بل و الإحساس الزئبقي على الشعور بدرجة غليان المجتمع في الوقت المناسب و من ثم يبدآن التعبير عنه و دق ناقوس الخطر ظنا منهم أنه لا بد هناك من سيلتفت إلى هذا الخطر الذي ينذر بانفجار لا بد منه في وجه الجميع، إلا أننا نرى السيناريست "وحيد حامد" أكثر كتّاب السيناريو مقدرة و حنكة و دربة على التقاط مثل هذه التفاصيل؛ فهو من وجهة نظر شخصية سيناريست بدرجة ترزي يستطيع تفصيل أدق التفاصيل دون الشعور بالصنعة أو التكلف فيما يكتبه.
و لعل الدليل على ذلك- كونه سيناريست بدرجة ترزي- قدرته على كتابة فيلمه الأخير "ديل السمكة" الخالي أساسا من الحدث نظرا لبساطة فكرته التي أخذها كما كتب في تيترات النهاية( الفيلم مستوحى عن وقائع حقيقية رواها كشاف النور و الشاعر محمد مسعد)، فالفكرة في منتهى البساطة و هي رحلة كشاف نور في أغوار المجتمع المصري الشديد التناقض اجتماعيا و اقتصاديا، من خلال دخوله العديد من الشقق لقراءة عداد الكهرباء، و من خلال هذه الفكرة يكشف لنا ذلك المجتمع المتفسخ الذي يعيش فيه، مثل هذه الفكرة البسيطة جدا نرى أنها شديدة الصعوبة حينما نرغب تحويلها إلى فيلم سينمائي به العديد من الأحداث و الشخصيات و المواقف و التقاطعات الدرامية و القصص الجانبية، إلا أن هذه

المزيد


مقدمة سينمائية حول اصطلاحات غير سينمائية

نوفمبر 25th, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , محمود الغيطاني

محمود الغيطاني
 
      إذا كانت المدارس النقدية السينمائية قد تباينت إلى حد بعيد في نظرتها تجاه السينما سواء باختلاف الرؤى أو حتى باختلاف المناهج أو الأيدلوجيات التي ينتمي إليها الناقد السينمائي، أو ما بين اتجاه يري قراءة السينما ومن ثم تحليلها قراءة فنية بحتة- وهذا يكاد يكون خاصا بالدارسين و الأكاديميين- لا تري في الفيلم السينمائي سوي قواعده الفنية المتعارف عليها بين السينمائيين و الدارسين في هذا المجال مثل الاهتمام مثلا بالتوليف والتركيب الفيلمي أو ما نطلق عليه إجمالا "المونتاج"، و الكاميرا المتحركة و أهمية تلك الحركة بالنسبة لديناميكية و فنية الفيلم و التي كانت من أهم الأسباب التي لفتت الأنظار تجاه الأفلام الألمانية في بداياتها الأولي و من ثم فقد أكسبتها شهرة كبيرة نظرا لأن الألمان كانوا أول من قام بإنتاج أفلام تعتمد علي الكاميرا المتحركة في أوائل عام 1908 ، التداخل و الاختفاء الذي قام الرائد الفرنسي" جورج ملييس" بإجراء العديد من التجارب الفيلمية عليه منذ بدايات السينما المبكرة في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولي، كذلك تحليل المرئيات داخل الفيلم، التوليف المتوازي cross cutting الذي كان رائده المخرج الأمريكي" ادوين بورتر" حيث قدم لنا هذه الفنية الهامة في فيلمه "يوم في حياة رجل مطافئ" day in the life of a fire man عام 1902 و التي تلقفها من بعده أبو السينما العالمية "ديفيد وارك جريفيث" كي يحاول إكساب هذه التقنية السينمائية المزيد من العمق؛ و لعل أعمق مثال قدمه لنا "جريفيث" كان واضحا في فيلمه الهام "التعصب" intolerance عام 1916 ، نظرية عين الكاميرا، الإضاءة داخل الفيلم السينمائي، الإيقاع الفيلمي، تقاطع اللقطات النفسي الذي برع فيه كثيرا المخرج" جون فورد" في فيلمه "المخبر" the informer عام 1935 ، كذلك أنواع اللقطات السينمائية و غير ذلك الكثير من تقنيات و فنيات الفيلم السينمائي.
     نقول أنه إذا كان هناك اتجاه نقدي ما يعتمد في نظرته النقدية الأولي علي مثل هذه الأمور؛ فهناك اتجاهات نقدية أخري تحاول تحليل الفيلم السينمائي من خلال وجهات نظر مغايرة منها علي سبيل المثال النظر في جماليات الفيلم السينمائي أو ما نسميه" سيميائية الفيلم السينمائي" ، أو اللغة الفيلمية الخاصة و كيفية تحقيقها داخل الفيلم.
    كذلك نري المدرسة الفرنسية في النقد السينمائي و التي كان رائدها الناقد الفرنسي" الكسندر استروك" ، تلك المدرسة النقدية الهامة التي تنظر إلى الفيلم السينمائي نظرة عقلية تكاد تبتعد إلى حد ما مع النظرة الفنية الخاصة بالفيلم، حيث يعتمد رواد هذه المدرسة علي ثقافتهم الأدبية في المقام الأول و من ثم فهم يتناولون الفيلم السينمائي علي أساس أنه قطعة أدبية في شكل صورة مرئية، و من خلال هذه الصورة الأدبية- إذا جاز لنا التعبير- فهم يبدأون في تحليل الفيلم السينمائي و من ثم إيجاد الروابط العميقة- الظاهرة منها أو الخافية- التي تربط الفيلم السينمائي بالعديد من الظواهر الفنية الأخرى مثل الأدب و الموسيقي و الفنون التشكيلية بل و الفلسفة أيضا و جميع العلوم الاجتماعية، و بذلك و من خلال هذه النظرة النقدية المغايرة تماما فهم يحيلون الفيلم السينمائي إلى قطعة أدبية بها الكثير من الفنيات و الأدبيات المغايرة للتقنية السينمائية المتخصصة، و من ثم تخرج مقالاتهم و دراساتهم النقدية بها الكثير من الجماليات، بل و كأنها قطع أدبية جميلة يستطيع القارئ- المتلقي- أيا كانت ثقافته الإقبال عليها و من ثم هضمها و التواصل معها بدون أية صعوبة علي الإطلاق- خلافا للدراسات السينمائية المتخصصة التي لا يستطيع الإقبال عليها سوي المتخصصين في حرفية الفن السينمائي- فن الفيلم-*.
    فنري أصحاب هذا الاتجاه- و هم كثيرون في السينما الفرنسية- يحاولون دائما الاستشهاد بالكثير من التعابير الأدبية و الفلسفية بل و الموسيقية أثناء تناولهم للفيلم السينمائي من أمثال" جان لوي بوري" الذي يطلق عليه" أبو النقد السينمائي الفرنسي"، " ميشيل هنري" ، " كلود ميشيل كلوني" ، و غيرهم الكثيرين من نقاد السينما الفرنسية الذين استطاعوا ببراعة بالغة تطبيق نظرة أستاذهم في هذا الاتجاه- الكسندر استروك- التي تفيد بأن الكاميرا في عصرنا قد حلت محل القلم.
    وإذا كانت جميع هذه المدارس النقدية و غيرها قد تباينت إلى هذه الدرجة في نظرتها الخاصة تجاه فن الفيلم، فان ذلك يعد خير دليل علي رحابة العالم الفيلمي و من ثم قدرته علي التشكل تبعا للرؤى النقدية المختلفة، و هذا يعطي للفيلم خاصية هامة يكاد يتميز بها وحده دون كافة الفنون الأخرى و هي خاصية المرونة التي تجعله قابلا للتشكيل. 
    و هذا إن دل علي شئ فهو يدل علي قدرة الفيلم علي احتواء جميع الفنون- سواء منها القديمة أو المستحدثة- و من ثم يصدق عليه ذلك الاصطلاح البارع الذي أطلقه عليه الناقد الفرنسي الإيطالي الأصل" ريتشيوتو كانودو" عام 1923 الفن السابع- باعتبار أن السينما قد استطاعت احتواء الفنون الستة السابقة عليها الممثلة في العمارة، الموسيقي، الشعر، الرقص، الرسم، النحت، إلا أننا نحتفظ بحق الاختلاف مع الناقد الفرنسي" ريتشيوتو كانودو" فنري أنه قد جانبه الكثير من الصواب حينما أطلق ذلك الاصطلاح علي السينما، لأن السينما في حقيقة الأمر لم تحتوي الفنون الستة السابقة عليها فحسب؛ بل استطاعت بفنيتها العالية احتواء جميع التجارب الإنسانية التي خبرها الإنسان منذ هبط علي وجه الأرض.
    إلا أنه إذا كانت السينما بمثل هذا الشكل الطيّع الذي يستطيع تقبّل العديد من الرؤى النقدية المختلفة في تناولها و من ثم تحليلها فليس معني هذا علي الإطلاق أنها من مجالات الفنون المفتوحة علي مصراعيها، و التي تجعل كل من رأي في نفسه القدرة علي التذوق الفيلمي أن يحاول التنظير و من ثم التقعيد للفن السينمائي بدون دراسة عميقة و مستوفاة لهذا الفن الشديد التعقيد في حقيقته علي الرغم من بساطة شكله و من ثم يبدأ في إطلاق العديد من الاصطلاحات و إثارة العديد من الإشكاليات التي لا تمت للفن الفيلمي بصلة علي الإطلاق، و من هنا فنحن نحتفظ بحق الاختلاف مرة أخري مع أستاذنا القدير-الذي تعلمنا منه الكثير- الدكتور سمير فريد الذي يصرح في إحدى حواراته* ( أن كل ما يكتب عن الأفلام من آراء هو نقد، لكن ما هي قيمته، و ما مدي عمقه، و هل هو منهجي أم لا؟ )، فليس من المنطقي أو المقبول علي الإطلاق أن يفتح الباب علي مصراعيه هكذا لكل من أراد الفتوى في مجال النقد السينمائي سواء كان واعيا لمضمون هذا الفن أو غير واع لأن هذا يؤدي إلى كارثة نقدية بكل المقاييس تؤدي في النهاية إلى تضارب الآراء النقدية حول فيلم واحد نظرا لاختلاف الثقافات و تباينها و من ثم يصدق قول الكثيرين الذين يتهمون نقاد السينما بالكتابة تبعا لأهوائهم و حالاتهم المزاجية بل تبعا لمصالحهم الشخصية، و أنه إذا كان هناك مجموعة من ا

المزيد


عمارة يعقوبيان… مصر المهترئة تحتضر

نوفمبر 25th, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , محمود الغيطاني

 

محمود الغيطاني
    

   هل من الممكن أن يتوقف دور السيناريست- حينما يحاول النقل من أصل روائي أدبي- عند حدود النقل فقط دو الإضافة أو الحذف؟ و هل حينما يتم النقل بهذا الشكل الأمين نستطيع القول أن السيناريست قد قام بدور يحمد عليه و لا بد أن نتوجه له بالتحية؟ و هل السيناريست له دور-ايجابي أو سلبي- حينما يقوم بالنقل من الأصل الروائي أم لا؟
   علّ هذه الأسئلة الجوهرية-و غيرها الكثير- كانت هي محور تساؤلاتنا أثناء مشاهدتنا فيلم "عمارة يعقوبيان" للمخرج "مروان حامد"؛ و من ثم لم نستطع الخلاص منها على الإطلاق، و بالتالي كانت تتوالد منها الكثير من الأسئلة الأخرى المؤرقة و التي أفسدت علينا متعة مشاهدتنا للفيلم.
   بل إن هذه الأسئلة تستدعي بالضرورة تساؤلا آخر أكثر أهمية و هو، هل كتابة السيناريو تشكل بالأساس عملية إبداعية في المقام الأول أم لا؟ أو بمعنى آخر، هل يضيف السيناريست من خلال ما يكتبه من روحه و خبرته و تقنياته التي تتناسب مع السياق الفيلمي و الصورة المرئية- المختلفة تماما مع السياق الروائي- إلى روح الأصل الروائي أم لا؟
   كان لا بد من هذه التساؤلات الكثيرة التي فرضت نفسها علينا فرضا حينما شاهدنا فيلم "عمارة يعقوبيان" نظرا لأنه مأخوذ في الأساس من أصل أدبي قرأناه جميعا و ما زال ماثلا في أذهاننا، و بالتالي كانت حالة المقارنة و استعادة الذاكرة في أوجها بين ما نراه أمام أعيننا و ما قرأناه من قبل.
   و بالرغم من معرفتنا المسبقة أن هذه الحالة- المقارنة- ليست عادلة؛ نظرا لأن ما يتم عرضه سينمائيا منفصل بالضرورة عما يتم تقديمه مكتوبا، إلا أن السؤال الوجيه الذي ظل يطرح نفسه علينا و من ثم لم نستطع الخلاص منه حتى بعد نزول تيترات النهاية هو، ما الذي قدمه لنا السيناريست "وحيد حامد" من خلال هذا الفيلم؟ أو بمعنى آخر، ما هو دور "وحيد حامد" كسيناريست محترف له الكثير من الباع و الخبرة و الحرفية في مجال السيناريو- يستطيع استخدام تقنياته الخاصة و روحه و لمسته السحرية- في تحويل رواية "علاء الأسواني" إلى فيلم سينمائي؟
   علّ النظرة المتأنية لتاريخ "وحيد حامد" الطويل،- و الذي قدم من خلاله الكثير من الأفلام التي سيذكرها التاريخ السينمائي- ما يشهد له بأنه من أكثر كتّاب السيناريو في مصر حرفية و قدرة على الإمساك و من ثم تطويع الحكاية التي يصوغها من خلال السيناريو، بل من أمانة القول أنه من أهم كتّاب السيناريو الذين يشعرون- من خلال ترمومتر خاص- بدرجة غليان المجتمع و من ثم يبدأ في تنبيهنا إلى ما يدور حولنا من صخب غير مرئي للوهلة الأولى- و لكن إحساسه و عينه اللاقطة تنتبه إليه- و ليس أدل على ذلك من أفلامه الهامة التي نذكر منها على سبيل المثال- لا الحصر- "التخشيبة" للراحل "عاطف الطيب" 1984 ، "البرئ" أيضا "لعاطف الطيب"   1986 ، "الإرهاب و الكباب" للبديع "شريف عرفة" 1992 ، و غيرها من الأفلام الهامة؛ و لذلك فإننا إذا ما نظرنا نظرة أخرى متمهلة لما رأيناه في فيلم "عمارة يعقوبيان" سيصيبنا الكثير من الإحباط و الدهشة نظرا لأن "وحيد حامد" لم يكن له أي دور يذكر على الإطلاق سوى نقل النص الروائي من سرد مكتوب إلى سرد مرئي دون الإضافة أو الحذف، بمعنى أنه لم يضف إلينا الجديد في "عمارة يعقوبيان" بقدر ما التزم بأمانة- ليست مطلوبة- في نقل تفاصيل الرواية، بل و الأفدح أنه التزم بالبناء السردي الذي قام به "علاء الأسواني" و نقله كما هو إلى الشاشة.
   رأينا جميعا أن "علاء الأسواني" التزم في روايته بتقنية القطع المتوازي Cross Cutting ؛ حيث كان يروي قصة كل فرد على حدة ثم ينتقل إلى قصة شخص آخر قبل إكمال الأولى، ثم ثالث و هكذا كي يعود مرة أخرى من حيث انتهى إلى قصة سابقة كي يكملها، و هذا ما رأيناه تماما عند "وحيد حامد" حتى أني تخيلته- وحيد حامد- قد وجد أمامه الكثير من الأحداث و الشخصيات و القصص فلم يستطع أن يفعل حيالها إلا أن يكتب قصة كل واحد على حدة حتى إذا ما انتهى منها جعلها جميعا تسير في مسارات متوازية/منفصلة- لا رابط بينها على الإطلاق سوى وجود عمارة لم تضفي أي دور أو ايجابيات على الأحداث سوى تجاور أصحاب هذه القصص في هذا البناء- نقول أنه فعل ذلك طوال الفيلم إلى أن قام في النهاية بمحاولة جعل هذه الخطوط المتوازية تتقاطع كي يستطيع إنهاء الفيلم.
   و لذلك سنتساءل تساؤل أخير قبل الدخول إلى أحداث الفيلم و هو، هل السيناريست الذي لا يلتزم بأمانة النقل من النص الروائي يكون خائنا لهذا النص الأدبي؟

   من البديهي أن عدم التزام السيناريست بأمانة النقل من النص الروائي لا تجعله خائنا، لاسيما أن السرد الروائي يتخلق من عالم خاص به له قوانينه المختلفة تماما عن السرد السينمائي و قانونه الخاص؛ و لذلك نحن إذا ما تأملنا الكثير من الأعمال السينمائية المأخوذة من نصوص أدبية و التي منها على سبيل المثال أعمال "نجيب محفوظ" سنلاحظ أن الخيانة للنص الأدبي- لصالح السينما- في تفاصيله الدقيقة كانت هي السائدة، حتى أننا إذا ما قرأنا الأصل ثم شاهدنا الفيلم سنجد بونا شاسعا بين ما قرأناه و ما نراه، ووجه الاتفاق الوحيد بينهما هو الخطوط الرئيسية/العريضة في النصين.
   على أي حال هناك ملاحظة أخرى نسوقها عرضا لأنها مرت سريعة عند بداية الفيلم، إلا أنها علقت بأذهاننا مشكّلة علامة استفهام كبيرة في حاجة إلى من يجيب عليها، فبعد نزول تيترات الفيلم و بداية استعراض الشكل المعماري لعمارة يعقوبيان مصحوبا بشريط الصوت الذي يحكي لنا تاريخ العمارة منذ بناءها مرورا بالملكية، و ثورة يوليو، و حرب1956 ، وصولا إلى الانفتاح و الوقت الراهن، نلاحظ أثناء تجول كاميرا "سامح سليم" على جدران "عمارة يعقوبيان" و نقل نقوشها و رسومها المختلفة أنه قد علق بأذهاننا كون الكاميرا توقفت هنيهة في لقطة زووم Zoom على نجمة داوود المنقوشة على العمارة ثم سرعان ما انتقلت مع الشريط الصوتي إلى التأكيد على أن العمارة كان يقطنها جميع طوائف المجتمع- بمعنى أنها كانت تمثل المجتمع المصري بكل طوائفه- بما فيهم اليهود، و هنا تساءلنا ما الذي يرمي إليه صنّاع الفيلم من ذلك؟ هل يرغبون القول بأن مصر في تلك الفترة كانت من التسامح العقائدي بشكل لم نعد نراه الآن؟ أم أن ثورة يوليو حينما جاءت قامت بالقضاء على التواجد اليهودي و من ثم هذا التسامح في مصر؟
   علّ هذا السؤال سيبقى معلقا و بحاجة إلى إجابة عنه لاسيما و أن هذا الاستعراض انتهى بالقول (مش بس العمارة اللي اتغيرت، البلد كلها اتغيرت).
   كان لا بد من هذه المقدمة الطويلة نسبيا قبل الدخول في أحداث الفيلم نظرا لأنها تشكل علامات استفهام هامة تدخلنا إلى العالم الفيلمي "لعمارة يعقوبيان".
   يقدم لنا الفيلم الكثير من الشخصيات المهترئة اجتماعيا و نفسيا و التي تمثل لنا مجتمعا كاملا في حالة تفسخ- مع الاهتمام من قريب أو بعيد بأسباب هذه التفسخات- حتى أني طرحت سؤالا على نفسي أثناء مشاهدتي الفيلم (ما الذي يحدث في بر مصر؟) هل بات المجتمع المصري بكل هذا التهرؤ الذي صار إليه؟ هل صرنا جميعا عبارة عن مجموعة من الجزر المنعزلة التي تضمر لبعضها سوء النية و التربص و الكراهية إلى هذا الحد؟ هل دفعتنا الحاجة و القهر و العوز إلى كل هذا الانهيار؟ بل إن السؤال الأكثر إلحاحا هو، هل صارت مصر

المزيد


دنيا لمخرجته اللبنانية جوسلين صعب

أكتوبر 1st, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , محمود الغيطاني

كلما طغت الفكرة فسدت الرؤية السينمائية

محمود الغيطاني ـ القاهرة

        هل من الممكن طغيان الفكرة على العمل الفني ومن ثم تصبح هي الأساس الذي يتحرك من خلاله المبدع-
و من أجلها فقط- حتى انه لينسى كل شئ سواها؟ و ماذا لو حدث ذلك و سيطرت الفكرة بهذا الشكل الخانق على مبدعها، حتى أنها لتطل بين الفينة و الأخرى من طيات العمل الفني برأسها كي تخرج لسانها لكل من المبدع و المتلقي معا؛ لتصرخ في وجهيهما (ها أنا ذا)؟
    أظن أن طغيان الفكرة بهذا الشكل لا بد سوف يفسد العمل الفني تماما لينهار بنيانه في نهاية الأمر لصالحها، و من ثم تصبح جميع تفاصيل هذا العمل و تنويعاته المختلفة مجرد أوجه متشابهة- إن لم تكن متطابقة و مجموعة من المرايا- لذات الفكرة الملحّة التي تمسك بخناق الطرفين- المبدع و المتلقي- و من ثم يتحول الأمر إلى جحيم خانق للجميع مما يؤدي في نهاية الأمر إلى الفشل الذريع نتيجة سيطرتها.
    أعتقد أن مثل هذا التساؤل لا بد أن يستدعي بالضرورة مجموعة أخرى من التساؤلات و التأملات الهامة عن ماهية العمل الفني و دوره الاجتماعي أو الفني، و بالتالي لا بد لنا أن نتساءل متأملين ماذا لو حاول الفنان- من خلال عمله الفني- تقديم مقطع من الحياة، و لكن دون إلباسها ثوب الفضيلة أو الأفكار الثقافية و التفلسف، و أنه لا بد من وجود دور اجتماعي هام يلعبه هذا الفن؟ أو بمعنى آخر لما لا يحاول الفنان مجرد التأمل فقط من خلال عمله الفني المطروح على الجمهور دون الزج بأيدلوجيته الخاصة و أفكاره التي يريد أن يقولها، ثم يترك العمل في نهاية الأمر للمتلقي الذي لا بد سيتجاذب أطراف التفكير معه، فإما أن يتحرك من أجل محاولة التغيير أو يظل مكانه ساكنا و لكن بعد إثارة زوبعة ذهنية داخله؟
    علّ هذا التساؤل الأخير يذكرني بالفيلم الجميل "أسرار البنات" لمخرجه "مجدي أحمد علي"2001 ، و الذي كان أهم ما يميزه و يعطيه أهميته أن جميع صنّاع الفيلم بلا استثناء قد التزموا من خلاله الجانب الحيادي التام و الموضوعية الصادقة التي لا تدين أحدا- و لا ترجح هذا الجانب أو هذا الفكر أو التيار على الآخر- و من ثم خرج الفيلم مكتملا تماما من حيث موضوعيته ليترك الأمر في النهاية للمشاهد الذي لا بد سيتفاعل مع الأمر إما بالإيجاب أو السلب، و يكفينا في نهاية الأمر أن الفيلم قد أثار داخل المشاهد الكثير من التأملات، سواء كانت هذه التأملات دافعة للتغيير، أو لمجرد النقاش فقط حولها، و لكن الذي يعنينا في النهاية أن الفيلم قد التزم بحياديته دون الانسياق الملحّ حول الفكرة و من ثم يؤدي ذلك- الانسياق للفكرة- إلى إفساد الفيلم.
    ربما كانت هذه التساؤلات و التأملات الهامة و غيرها الكثير هي ما يدور في أذهاننا أثناء مشاهدتنا لفيلم "دنيا" لمخرجته اللبنانية "جوسلين صعب"؛ لأن الطغيان القوي للفكرة التي تقدمها قد أفسد علينا تماما متعة مشاهدتنا لهذا الفيلم الذي كان من الممكن أن يكون فيلما هاما و مكتملا و ناضجا لولا الإلحاح الشديد و الدائم على فكرته الجميلة التي أراد الفيلم طرحها، فأدى ذلك بالرغم من وجاهة الفكرة إلى إفساد العمل الفني تماما.

    و بالرغم من كون الفكرة لدى "جوسلين صعب"- كما قلنا آنفا- جميلة و مقبولة، إلا أنها بدت من خلال الفيلم شديدة الالتباس؛ ربما لعدم اكتمالها بالقدر الكافي و من ثم عدم نضجها، فخرجت لنا تكاد تكون شائهة أو (مسلوقة) على حد تعبير القول الجاري على ألسنة المصريين؛ فتارة نشعر أنها ترغب التركيز على فكرة فن الاحتفاء بالحياة و من ثم عيشها كما ينبغي لها أن تعاش، و تارة أخرى نشعر أنها تريد نقاش فن الاحتفاء و من ثم اكتشاف الجسد و التصالح معه و التعرف عليه باعتباره منطلقا أساسيا للتصالح مع النفس، و ليس مجرد سجنا خانقا أو تابوتا نظل محبوسين فيه منذ لحظة ميلادنا؛ و بالتالي فنحن ننظر إليه نظرة دونية- في مجتمعاتنا العربية- على الرغم من أهمية اكتشافه، و تارة ثالثة نراها تحاول نقاش قضية هامة جدا- بذلنا فيها الكثير من الجهد و الوقت للحد من استشراءها- ألا و هي قضية ختان الإناث و التأثير السلبي الخطير العائد على الفتاة و من ثم المجتمع فيما بعد نتيجة لهذا الفعل الحيواني و الإجرامي في حق إناثنا.
    نقول أن هذا الالتباس الشديد لدى "جوسلين صعب" قد أصابنا بحالة أقرب إلى الدوار طوال مدة مشاهدتنا للفيلم و بالتالي كلما مضى مشهد من مشاهده كنت أنتظر المشهد الذي يليه علّه يوضح لي أكثر ما الذي ترغب المخرجة في قوله بالضبط، و لذلك تساءلنا كثيرا لما لم تفكر المخرجة "جوسلين صعب" في تقديم مذكرة تفسيرية لكل مشاهد- مع تذكرة السينما- من أجل استيعاب نقلاتها السريعة و الفانتازية سواء على مستوى السيناريو أو المونتاج و بالتالي ينتفي كل هذا العذاب الذي جعلتنا نعيش فيه؟
    و لكننا قد نستطيع التماس العذر للمخرجة "جوسلين صعب" في هذا الالتباس الذي ساد فيلمها نظرا لكونها نتاج طبيعي و ابنة لهذا المجتمع العربي الخانق الذي أفرز العديد من الأفكار و العادات الشائهة تجاه إناثه و بالتالي أدى تراكم هذه الأفكار في الذهنية العربية الراغبة في الانطلاق أحيانا، إلى الكثير من البلبلة حينما تحاول الخروج من أسر كل هذه التراكمات؛ فتأخذها كلها دفعة واحدة، أو كتلة صماء بلا ترتيب أو تفتيت، مما يؤدي إلى عدم وضوح الفكرة مثلما ظهر أمامنا في فيلمها الذي قدمته.
    و لذلك نراها تحاول نقاش كل هذه الأفكار دفعة واحدة من خلال "دنيا"(حنان ترك) خريجة كلية الآداب، المحبة للشعر، و التي تعد لرسالة علمية عنوانها "الحب في الشعر العربي"، و الراغبة في ذات الوقت تعلم فن الرقص الإيقاعي لأن والدتها كانت من أشهر الراقصات- قبل وفاتها- من ناحية، و لأنها ترى أن الرقص ليس إلا فنا راقيا- مثله مثل غيره من الفنون- و ليس عيبا و حراما و عارا لا بد من التبرؤ منه كما كان المجتمع ينظر إلى والدتها و من ثم يدينها من ناحية أخرى، و لأنها ترى في الرقص وسيلة للانطلاق نحو آفاق رحبة و أكثر حرية و جمالا، و من ثم التعرف على ذاتها أكثر من ناحية ثالثة؛ لاسيما أنها تقوم بدراسة الحب عند المتصوفة و حالات الشطح و الوجد الصوفي لديهم، فنراها تتقدم لإجراء اختبار تتأهل من خلاله للاشتراك في مسابقة دولية للرقص تمثل فيها اسم مصر، إلا أننا نراها تقف على خشبة المسرح متشنجة غير قادرة على الحركة، و بالتالي حينما يطلب منها أحد أعضاء لجنة التحكيم محاولة الشعور بنفسها قائلا (مالك متخشبة كدا؟ حاولي تحسي بجسمك شوية) نراها تقول (أنا عمري ما شفت جسمي، أول مرة شفت صورة واحدة عريانة كانت في السينما) و سرعان ما تتهاوى أرضا لتجلس في وضع الجنين مبررة ذلك بأنها دائما ما تجلس هكذا حتى لا يراها أحد.

    لعل هذا المشهد الذي قدمته المخرجة "جوسلين صعب" في بداية فيلمها له من الأهمية بمكان ما يدلل على أزمة تلك الفتاة التي نشأت في مجتمع يحرم دائما، بل و يجرم إمكانية تعرف الإنسان على ذاته أو جسده؛ و بالتالي ينظر الجميع إلى الجسد باعتباره سجنا خانقا يضطر الإنسان منا طوال عمره حمله

المزيد


حريم كريم و أزمة النقد المراهق

سبتمبر 23rd, 2007 كتبها صلاح سرميني نشر في , محمود الغيطاني

محمود الغيطاني
    ربما كان النجاح الحقيقي الذي حققه المخرج "علي إدريس" من خلال فيلمه الأخير "حريم كريم" هو إظهاره لتلك الأزمة الخانقة التي تمر بها السينما و النقد السينمائي في مصر، و من ثم إثارته للعديد من التساؤلات التي هي في حاجة ماسة و صادقة للإجابة عليها؛ فمن خلال هذا الفيلم استطاع "علي إدريس" أن يقول لنا أن معظم النقاد المصريين لا يتناولون الفيلم السينمائي إلا من خلال غرائزهم أولا، ثم التباكي على الأيام الجميلة التي مضت و التي كانت تتمتع فيها السينما المصرية بالحيوية من خلال ما تقدمه لنا- نظرا لحالة مستعصية من النوستالوجيا المصاب بها معظم النقاد- ، و في النهاية تأتي فنيات الفيلم التي لا بد أن يتحدث عنها الناقد حتى يثبت للقارئ و صناع السينما علمه التام بكيفية صناعة الفيلم السينمائي- و ها هو يتحدث فيها كأستاذ عليم لا بد من الاستماع له-.
    و لعل مثل هذه الأمور مجتمعة كانت السبب الرئيس في تساؤلنا.. هل هناك بالفعل نقد سينمائي حقيقي في مصر أم أن الأمر لا يعدو أكثر من رغبة عميقة في تسويد الأوراق من قبل البعض الذين يصبون حقدهم على هذا الفيلم/المخرج أو ذاك؟
    علّ النظرة المتأنية لما يدور حولنا في الساحة الثقافية و الفنية الآن تكاد أن تجزم بعدم وجود مثل هذا النقد الحقيقي سواء في مجال الأدب أو السينما، بل و استشراء المجاملات و الشللية في جميع مجالات الفن و من ثم تحول الكثير من نقاد السينما إلى مجرد أرقام مجردة لمجموعة كبيرة من النقاد، إلا أن هذه الأرقام المجردة لا تثمن و لا تغني من جوع بما تقدمه لنا من غث فاسد قد ترحب بفيلم مثل "اللي بالي بالك" للمخرج "وائل إحسان" 2003كما فعل بعض النقاد- في حين تهاجم فيلما مثل "جنة الشياطين" للمخرج "أسامة فوزي" 2000 ، أو فيلما مثل "عرق البلح" للراحل "رضوان الكاشف" 1998تحت دعوى ذهنية مثل هذه الأفلام-
    و هنا تحولت الساحة النقدية السينمائية إلى ساحة من لا عمل له؛ فصرنا نرى كتابات نقدية لا تمت للنقد بصلة نظرا لأن كاتبها قد وجد نفسه فجأة بقدرة قادر محررا أو مشرفا على الصفحة الفنية في إحدى المطبوعات فبات يكتب ما لا يفهمه هو فضلا عن القارئ الغلبان الذي لا بد أن يقرأ أي هراء غث قد كتب له.
    و لعل ما يحدث اليوم مع فيلم "حريم كريم" يثبت بشكل قاطع ذلك التناقض العجيب الذي يعيشه نقاد السينما المصرية الذين يرفضون أحيانا ما يتم تقديمه من أفلام متهافتة و تافهة مثل"اللمبي" للمخرج "وائل إحسان" 2002 ، "عوكل" للمخرج "محمد النجار" 2005 ، "بوحة" للمخرج "رامي إمام" 2005 و نحن بالتأكيد معهم في مثل ذلك الرفض؛ لأنه إذا ما سارت السينما المصرية على هذا النهج من البلاهة و السذاجة المفتقدة في الأساس لفنية الفيلم السينمائي تحت دعوى تقديم الكوميديا فمصيرها الحتمي هو الموت و الانقراض- إلا أنهم في الوقت الذي يرفضون فيه ذلك يأخذون ذات الاتجاه مع فيلم مثل "حريم كريم" الذي يقدم لنا قصة إلى حد كبير محترمة اجتماعيا قياسا لما يتم تقديمه في الآونة الأخيرة، هذا فضلا عن تقديمها الكوميديا بشكلها المقبول حيث لا تعتمد على أية بذاءات لفظية أو حركية- فلم نر مثلا خالتي "أطاطا" تهتف بصوتها الكريه و شكلها المنفر (قوم يا ابن الكلب) ظنا أن ذلك سوف يضحك الجمهور الذي هو بلا شك نتاج هذه البيئة إذا ما تقبل ما يتم تقديمه له- بل تعتمد فقط على كوميديا الموقف و المفارقات الاجتماعية.
    بل و الأعجب أن نرى بعض نقاد السينما الذين ينتقدون الفيلم نتيجة لأن بطلاته قد ظهرن في بعض المشاهد بالمايوهات و كأن هذا جرم و فضيحة و عار لا بد من مهاجمة الفيلم بسببه، أو كأن الفيلم يتعمد تقديم المشاهد الساخنة و العارية- على الرغم من عدم وجود ذلك- إلا أن مثل هذا الموقف الغريب من بعض نقاد السينما لا بد أن يجعلنا نتساءل (هل شاهد هؤلاء النقاد الفيلم بالفعل قبل الكتابة عنه؟ أم أنهم كتبوا ما كتبوه دون مشاهدته معتمدين في ذلك على سماع رأي البعض من المحافظين و المتحفظين و غلاة الأخلاق؛ فاندفعوا لامتطاء أقلامهم المشحوذة سلفا و من ثم صبوا جام غضبهم على الفيلم؟).
    بل إن ذلك الموقف يستدعي إلى ذاكرتنا ما حدث منذ سنوات حينما بدأ البعض يتعالى صوته غاضبا نتيجة لما يشاهده في السينما المصرية- معتقدين في ذلك أنه عري و بذاءة- ليطالبوا بوجود ما أسموه وقتها بالسينما النظيفة و سينما الأسرة و ما إلى ذلك من كلمات و اصطلاحات غريبة و صعبة على السينما المصرية و من ثم جاراهم في ذلك العديد من الإعلاميين و بعض مدعي الثقافة و الجوقة التي تخشى الخروج عن سياق العرف الجمعي السائد- حتى و إن كانوا غير مقتنعين به-.
    إلا أنه إذا كان قد حدث مثل هذا الأمر مع بعض متوسطي الثقافة فنحن لم نكن نتخيل على الإطلاق أن يصل الأمر في ذلك إلى نقاد السينما المصرية كي تبدأ أصواتهم في الارتفاع و الضجيج ليطالبوا بدورهم- و كأنهم يمارسون دور الرقيب الاجتماعي- بحذف أية مشاهد عارية تقدمها السينما المصرية حتى و إن كان ذلك في سياق البناء الفيلمي.
    إن ما يحدث اليوم مع فيلم "حريم كريم" من قبل بعض نقاد السينما يجعلني أتخيل سيناريو فكاهيا غريبا- لا أستطيع الفكاك منه- بقدر ما هو مخجلا، أرى فيه بعض نقاد السينما و كأنهم مجموعة من المراهقين ما أن يستمعوا أن هناك فيلما به بعض المشاهد العارية إلا و يهرعون لمشاهدته مستمتعين، إلا أنهم بعد انتهاء متعة المشاهدة النكوصية الاستمنائية يسارعون بارتداء ثوب الوقار و الحكمة و الأخلاق و من ثم يبدأون في إلقاء المواعظ و شحذ أقلامهم لصب جام غضبهم على الفيلم و مخرجه و فريق العمل الذي قام بصناعة ذلك الفيلم الداعر.
    و حتى يكون حديثنا أكثر تحديدا و قربا من الموضوعية فنحن لا ننكر أننا قد اندفعنا لمشاهدة فيلم "حريم كريم" تحت ضغط العديد من الأقاويل التي قيلت عنه و عن كون بطلاته يظهرن عاريات "بالبكيني"، و من ثم مهاجمة الكثيرين للمخرج "علي إدريس" و السيناريست "زينب عزيز" مما أعطانا انطباعا بأن المخرج "علي إدريس" قد بدأ يتاجر مثل غيره من مخرجي اليوم إما بالمجانية اللفظية و الذوق المنحط الذي يتم تقديمه لنا كوجبة يومية في السينما المصرية، أو بتقديم العري المجاني في أفلامه للعب و من ثم التربح من غرائز الجمهور، إلا أننا لم نستطع مشاهدة مشهد عري واحد داخل سياق الفيلم الذي كان متناسقا تماما مع موضوعه و بالتالي اندهشنا دهشة قصوى من مهاجمة العديد من النقاد للمشهد الذي ظهرت فيه بعض البطلات بالمايوه في شرم الشيخ؛ نظرا لأن المشهد لم يكن مقحما على السياق الفيلمي، و لأنه ليس مطلوبا من بطلات الفيلم الذهاب إلى البحر بالجلابيب و الحلل و الوابور أو ترتدي الواحدة منهن غطاء رأس و من ثم تأمن مهاجمة النقاد لها، هذا فضلا عن أن المخرج "علي إدريس" في ذلك المشهد الذي كان خلفية لإحدى أغاني الفيلم لم يركز بالكاميرا أو يتوقف أمام إحدى البطلات أو المايوهات التي كانت الكاميرا تمر عليها مرور الكرام.
    بل ووصل من مراهقة بعض النقاد إلى أن اندفع بعضهم لمهاجمة الفيلم نتيجة لأن (هالة رفعت)- الفنانة علا غانم- كانت شرهة في تدخين السجائر طوال الوقت مما جعلنا نتعجب أيما تعجب من هذا الكلام غير المسئول و الذي كان مأخذا على الفيلم و من ثم تساءلنا هل تدخين المرأة اليوم قد صار جريمة لا بد أن يعاقب عليها القانون، أو بمعنى آخر لا بد من نفي الفيلم السينمائي و رفضه نظرا لأن إحدى شخصياته النسائية تدخن بشراهة؟
    و من ناحية أخرى كان مبعث اندهاشنا أن شخصية "علا غانم" في السيناريو مرسومة هكذا و تلك من صفاتها الأساسية التي تعبر عن امرأة مستقلة بها الكثير من الغيرة و الأكثر من القلق و الحقد على غيرها من الصديقات، و رفضها القولي للكثير من الرجال على الرغم من رغبتها الدفينة في صديقها القديم (كريم الحسيني) "مصطفى قمر" و إن كان ذلك يعبر عن شئ فهو يعبر عن ازدواجية شخصيتها- و من ثم تساءلنا عن هؤلاء النقاد الذين أخذوا عليها ذلك المأخذ، هل هو لحقد داخلهم تجاه صناع الفيلم أم لمراهقتهم الطفولية التي يتمتعون بها و التي تجعلهم يهاجمون السينما المصرية على طول الخط، أم لأنهم لم يستطيعوا التواصل مع الفيلم و من ثم فشلوا في فهمه و

المزيد


التالي