أمثل الجريمة التي ارتكبت في حق الإنسان العربي
الجوائز لم تؤثر على مصيبة وجودي المنكسر!
حاورته في القاهرة : مروة عبد الله

لماذا لا تحلق الملائكة فوق الدار البيضاء؟
إن الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاء فحسب، بل إنها لا تحلق فوق الوطن العربي برمته. وقد اخترت الدار البيضاء كتصغير أو تشبيه للواقع العربي.. والملائكة لا تحلق فوق الوطن العربي لأسباب عديدة.. إن الفاعل السياسي والثقافي والاقتصادي هي أسباب عدم تحليق الإنسان العربي، ولا يمكن أن تكون هناك حياة كريمة للإنسان بدون تحليق، أو بدون حلم.
أي أن الملائكة هم الشعب العربي..
كل شيء جميل يوصف بكونه ملائكي، وأنا أقصد هؤلاء الناس الطيبين المغلوب على أمرهم في الوطن العربي .. المرغمين على المكوث في الأرض رغم توافر الأجنحة لهم.. ولكن هذه الأجنحة مكسورة من طرف الحاكم العربي.
كيف جاءت فكرة الفيلم؟
في أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية، لا يمكن أن نعول على الإنسان عندما لا يمكنه تحقيق أحلامه الصغيرة. والمواطن العربي لا يمكن أن يحقق أحلامه البسيطة مثل اقتناء بيت أو حذاء أو أن يحيا قرب زوجته! .. وبذلك لا يمكن أن نعول على إنسان فاقد للحلم حتى البسيط منه.. فكيف لنا أن نحسن وطنا بإنسان لا يحقق حتى أبسط أحلامه؟ .. هذا هو ما حاولت أن أعبر عنه من خلال الفيلم. فالوطن هو الإنسان .. والإنسان العربي مغيب، وهذا يوصلنا إلى أن الوطن العربي مفتوح لأي سطو أو غزو ثقافي كان أم اقتصادي أم سياسي . وهذا هو الحاصل الآن.
وكيف يكون الحل من وجهة نظرك؟
الحل في رأيي يكمن في البحث عن الانتماء، وللأسف فإن نخبنا العربية سواء السياسية أو الثقافية أو الاقتصادية هي فاقدة للانتماء . وهذه النخب هي المكون الأساسي لأي تحول في أي مجتمع قبل أن يكون التحول من قبل السواد الأعظم من الناس.. ولكن الحاصل أن النخب العربية مشغولة بأشياء تافهة مثل جمع المال والجاه والسلطة. وفي حضور هذا الهم التافه جدا .. ضاع الوطن. وعندما يضيع الوطن فلا أمل.
ما سبب تأخر فيلمك الأول لمدة 24 عاما؟
سبب التأخر هو انتمائي لهذا الوضع الذي تكلمت عنه. ففي غياب النخب التي تدافع عن الوطن، لم أجد أرضية سينمائية أو اقتصادية وطنية تخلق مني سينمائي وطني. فاضطررت إلى بناء هذه الإمكانيات بنفسي وتطلبت مني 24 سنة. وعلى الرغم من كونه الحل الوحيد لي، فإنه بشكل عام هذا ليس حلا للسينما العربية، فما حدث لي أعتبره جريمة في حق الإنسان العربي وأنا أمثل هذه الجريمة.. فكيف يعقل أن ينتظر شخص يحمل بداخله إمكانيات إبداعية فترة طويلة لكي يقدم أول أعماله.. هذا الاتهام موجه لكل من هو قائم على العمل السينمائي في بلدي.
وكيف تفسر نجاح بعض المخرجين في تقديم أعمالهم في سن صغيرة؟
السبب في ذلك هو خضوعهم لتنازلات لم أقبلها.. لقد تأخرت بسبب عدم رضائي عن تلك الاختيارات وذلك النوع من الإنتاجيات التي وافقوا هم على تقديمها .. فلم أرض بأي تنازلات أو مساومات . وهذا هو الفرق الوحيد.
ولماذا استعنت بتمويل أجنبي لإنتاج الفيلم؟
كانت نسبة المساهمة الأجنبية ضئيلة جدا لم تتجاوز 20%. ولكنها كانت ضرورية حتى يمكنني عرض الفيلم في الخارج. فبدون هذه المساهمة لم يكن ليوزع الفيلم في الغرب. وسبب ذلك بالطبع هو الحصار المفروض علينا، وهو ليس حصارا سينمائيا فقط ، وإنما سياسي واقتصادي أيضا. فهل يعقل أن يتوافر للعالم كله طاقة نووية باستثناء العالم العربي؟! لماذا لا يتوافر للوطن العربي طاقة نووية أو تكنولوجيا متقدمة؟!
إن العربي ممنوع من التواصل الثقافي والاقتصادي والتكونولجي. وثقافتنا العربية محاصرة.. ونحن نعمل بالسينما من خلال دائرة من الحصار حاولت التحايل عليها بتمويل الفيلم تمويلا أجنبيا.
ألم يكن عرض الفيلم في العالم العربي كافيا بالنسبة لك؟
بالطبع لم يكن كافيا. فقد كان همي في الوطن العربي هو الإنسان العربي، وهمي في الغرب ليس فقط الإنسان الغربي بقدر ما هو الحاكم الغربي. لأنه يؤثر على حاكمي العربي.. وكان يجب أن أقدم فيلمي له لكي يعيد حساباته.. فأينما لا يمكن تحقيق الأحلام البسيطة في دولنا العربية، فإن ذلك خطرا ليس فقط على هذه الدول بل أيضا على الدول الأجنبية وعلى الحاكم البعيد في لندن أو باريس أو مدريد ، وقد كنت محقا.

يرى البعض أن استخدامك للغة الأمازيغية ليس إيمانا منك بقضية الأمازيغ ، وإنما كورقة رابحة لحصد الجوائز.. ما تعليقك؟
ما فكرت يوما بهذا… فالفيلم لم يدخل إلى العالم الغربي من البوابة الأمازيغية، لأنهم في الغرب لم يعوا تلك الإشكالية في الفيلم. ولكنني قدمت هذه الشريحة لأنني أنتمي لبلد مكوناته هي عربية وبربرية وصحراوية ومهاجرين من الأندلس. هذه هي فسيفساء المغرب التي أعتز بها. وقد حاولت أن أكون هذه الفسيفساء في الفيلم من خلال المطعم الذي يعمل به صاحب الحذاء الصحراوي، وصاحب الحصان العربي، والزوج البربري، وصاحب المطعم المهاجر الأندلسي صاحب رأس المال الوطني من أهل فاس.. وهذا هو العمق الفكري لفيلمي. ولا أظن أن حصد الجوائز كان بسبب الجزء الأمازيجي أو البربري بل بسبب تميز الفيلم.
وماذا أضافت الجوائز لمحمد عسلي؟
أحاول أن أدافع عن نفسي بعدم تأثيرها علي. فأنا أعتبر أن هذه الجوائز لعبة لا تؤثر على مصيبة وجودي المتخلف والمنكسر والمنهزم. فكل هذا الاهتمام حول فيلمي لم يحل مشكلتي في فلسطين أو مشكلتي في العراق ولم يمحو أمية الشعب المغربي التي تصل إلى 70% .. فهل تظنين أنني سأكون سعيدا بالجوائز مع كل هذا؟ بالطبع لا..
ألم تخف من هذا النجاح الساحق الذي حققه الفيلم؟
نجاح الفيلم يؤكد ما أؤمن به.. فعندما يكون الفيلم صادقا متحيزا لقضيته ومحترما لها فإن العالم كله سيحترمه وينحني أمامه.. وقد توج فيلمي واحترم لصدقه الشديد واحترامه لقضيته. وعلى الرغم من منعي من دخول للولايات المتحدة لأن اسمي "محمد" فإن فيلمي قد حصد جائزة أفضل عمل فيلم مهرجان "شيكاجو" ورفضت أن أذهب هناك قبل أن يترك بوش الحكم.
ماذا يمثل لك عرض الفيلم جماهيريا بأوروبا؟
عرض الفيلم جماهيريا في بريطانيا وإيطاليا.. وقد دفع الفيلم الجمهور الغربي للتفكير على الأقل في أن العربي يحمل مشاعر نبيلة.. وإلى حد ما فقد كسر الفيلم تلك الصورة الغرائبية المغربية المنتجة من الفرانكفونية. فقد حاولت أن أقدم شيئا جميلا بدون وقاحة لأنني أنتمي إلى مجتمع مسلم يمنعني من أن أكون وقحا.
كم استغرقت كتابة وتنفيذ الفيلم؟
كتبت الفيلم عام 1997، وأنتجته عام 2003. انتظرت طويلا كي تهطل الثلوج، حتى أنني فكرت في النهاية أن أصور الفيلم في تركيا.. ولكن عندما بدأت تصوير المشاهد الأولى بالمغرب .. أثلجها ربي، فغيرت برنامج العمل وتم التصوير بالمغرب.
وهل كان دور الجليد حيويا لدرجة تجعلك تنتظره تلك الفترة الطويلة؟
طبعا. فالفي
المزيد