تأكّد الخبر: لم يعد «بينالي السينما العربية في باريس» قادراً على تنظيم دورات جديدة. لا يكمن السبب في بلوغه سنّ الشيخوخة، أو لإصابته بأي عارض صحيّ، وإن عانى وهناً ما في دوراته الأخيرة. المسألة بسيطة: فَقَد تمويله، لأن الغالبية الساحقة من الدول العربية لا تسدّد اشتراكاتها السنوية لـ«معهد العالم العربي»، الذي أقيم هذا الـ«بينالي» في فضائه الثقافي والعمراني أعواماً طويلة، عندما أسّسه الزميل اللبناني الراحل غسان عبد الخالق في مطلع الثمانينيات الفائتة، قبل أن تستلم إدارته المصرية ماجدة واصف. هل المسألة بسيطة فعلاً؟ لا. لأن المأزق المالي أخطر أنواع المآزق التي يتعرّض النتاجان الثقافي والفني لها، في هذا العصر الحديث الذي لم يعد ملائماً للنيّات الصادقة فقط في صنع ثقافة وفنون، ولم يعد الخيال والموهبة والوحي والرغبة الذاتية أدوات وحيدة لمثل هذا النتاج. إنه زمن المال: من يملك مالاً، يستطع أن يفعل كل شيء. كما في الأمس، كذلك اليوم. باستثناء أن الإبداع، الذي لم يكن يتطلّب أموالاً طائلة لإيصاله إلى الراغبين فيه سابقاً، بات محتاجاً بشدّة إلى ميزانيات كبيرة لترويجه وتوزيعه وفرض حضوره في المشهد الإنساني العام. بات محتاجاً إلى أن يكون «صناعة» بمقوّماتها الثقافية والفنية الخاصّة بها. أما السينما، فتكاد تكون أكثر الفنون الإبداعية حاجة إلى المال، لأن جزءاً مهمّاً منها مرتبط بالصناعة والتجارة، إذ من دونهما لا تتواصل الجوانب الفنية والجمالية والدرامية مع المشاهدين التوّاقين إليها.
والمهرجانات السينمائية محتاجةٌ بدورها إلى ميزانيات ضخمة، كي يتسنّى لها بلوغ مرتبة راقية، اجتماعياً وثقافياً وفنياً وتجارياً ونجومية وتواصلاً متنوّعاً.
غياب اللقاء
في تموز المقبل، الموعد المفضّل لإدارته، لن تشهد صالات العروض السينمائية في داخل «معهد العالم العربي» و«شارع المدارس» القريب منه، ما اعتادت أن تحتفل به مرّة واحدة في كل عامين: السينما العربية. لن يلتقي السينمائيون والنقّاد والفنانون والمهتمّون بالسينما العربية بعضهم بعضاً، ولن يتواصلوا مع القلّة الغربية المهتمّة بسينما العالم العربي، لأن غياب التمويل اللازم أدّى إلى هذا الغياب. ليس مهمّاً البحث عن الأسباب كلّها التي أفضت إلى الهزيمة الثقافية والفنية الجديدة للعالم العربي، لأن متابعي الدورات السابقة تحدّثوا مراراً عن مأزق التمويل، وعبّروا دائماً عن مخاوفهم على مصير الـ«بينالي»، وقالوا باستمرار إن التوقّف قدره لا محالة، لأن الدول العربية لا تُسدِّد اشتراكاتها السنوية، ولا تكترث بهذا الصرح الثقافي والعمراني في قلب العاصمة الفرنسية. والدول العربية قد تكون «معذورة»، لأن معظمها منطوٍ على نفسه، وباحث دائم عمّا يظنّه أدوات تعينه على فرض وجوده دولياً: بمعنى آخر، لم تعد الدول العربية مكترثةً بمهرجان سينمائي عربي ولا بأي نشاط ثقافي عربي يُقام في باريس أو في أي مدينة غربية أخرى، لأنها مهتمّة بتنظيم مهرجانات سينمائية ف
















