هوفيك حبشيان


مايكل مور هذا، كتلة مركّبة من نظام فكري "شرير" وعمق وتطرّف وسخرية وغضب وسجال واستفزاز وردّ الصاع صاعين وعقل استراتيجي. له غايات اتهامية، تخريبية، وانتقامية، تتخطى السينما وجمالياتها المتقنة وسنتيمترات الكادرات المهندسة. غايات تفلت من الجدل القائم منذ سحيق العهود لمعرفة ما اذا كانت السينما لغة أم وسيلة تعبير.
فهذا المؤلف لكتاب "رجال بيض أغبياء"، الهائج باستمرار وصاحب الخطوات الثقيلة والعقل المدبّر وراء الحملات المسعورة على "السموم الاميركية" المرمية في أرجاء المعمورة، والدائم الايمان بنظرية المؤامرة، بحيث يشتمّ رائحتها أينما حشر أنفه، سبق أن خطط لـ"اغتيال" رئيس بلاده سياسياً، وإبعاده عن البيت الابيض. لكن لا عنترياته السينمائية ولا الطبل والزمر الاعلاميان، بعد "سعفته" المدوية في "مهرجان كانّ"، حالت دون اعادة انتخاب الكاوبوي "المنتحل صفة رئيس" لولاية ثانية، محجّماً من الدور الرسولي للفنّ الذي يؤمن به كلّ أميركي طيبّ وعاقل من طينة MM.
هي نعمة السينما التي تبقي أم. أم. على هذا التوثّب، وعلى هذه النضارة الفكرية. انها عبقرية السينما التي تمدّه بالوعي الدائم وبهجة مشاركة الفضائح الموصولة، فيلماً فآخر، غائصاً عبر "سيكو"، في قصص هؤلاء الذين وضعهم النظام الصحي الاميركي على الهامش، ناهلاً اللحظات الحميمة، لحظات الغصّة، يلتقطها بروحه النضرة أبداً فلا ترهقها الحاجة أو الارتباط بمصلحة ولا يُحدث فيها تبدلاً.
مشيعٌ كبير للنكتة أينما حلّ، عاشق للعدالة، نرسيس فائق الهيبة، سيّد حرفة وأسلوب، نسيج وحده بين سائر أقرانه، هكذا هو مايكل مور، مراوغ أحياناً، لكنه صادق وفعّال في المحصّلة. وعندما يصوّر ترّهات السياسة، فذلك ليثبت بوقاحة وتهكّم مقزز، عالماً يعيش خراباً ايديولوجياً وسياسياً لا يفلت من عقابه حتى البلد الذي يصدّر هذا الخراب. يمضي في التأكيد ان الحرب لا تأتي دوماً من حاجة اقتصادية، بل من تشبث وهمجية، ولا يتردد في ان يسأل اعضاء الكونغرس الاميركي اذا كانوا مستعدين لارسال اولادهم الى الحرب الدائرة في العراق. هذا هو أم. أم.، أمير التناقض، وسينماه مثل "الكف" التي تنزل على وجه مبلول، مثل الفتنة التي تتسلل ببطء.
مثل كل مواطن يدفع ضرائبه بانتظام ويلتزم القوانين، يرى مور انه يحقّ له ان يعترض والا يمشي في محاذاة الحائط، مثلما يفعل معظم الاميركيين المنشغلين بالأكل والشرب والنوم. بثقة بالنفس لا تقاس، يسمح مور لنفسه بأن يشيع قلقه الفردي الاسود على بياض الشاشة، ويُسمع صوته تالياً الى اكبر عدد ممكن من الآذان الصاغية، بلغة سلسة، طريفة، شخصانية، ولا تتوانى عن القفز الى حيّز المبالغة والتطرّف واطاحة الاكذوبة والمبالغات والاسقاطات ضمن الظروف الملائمة، لتنمو وتتضاخم، وتصبح تالياً سهلة الابتلاع. أما كمخرج وثائقي من الفئة "أ"، فيتعهد هذا الصدامي، كشف النقاب عما آل اليه الحلم الاميركي في عهد بوش، شغله الشاغل وعدوه اللدود، ممتلكاً موهبة ربانية في تحريك الرأي العام وجذبه لمصلحته من خلال فضح النيات السيئة التي تحتجب وراء الشعارات الوطنية الرنانة لطغمة حاكمة يمرغها مور في الوحل، غير مبالٍ اذا كان أفرادها من أهل السياسة أم من أهل الربح السريع. والحقّ، انهم يستحقون اكثر من هذه المعاملة الشنيعة.
في عهدة مور، أصبحت السينما ساحة نزاعات بين اطراف انهارت في ما بينهم وسائل الاتصال كافة، ولا بأس بذلك، ما دام مور، رغم طابعه العصري، ينتمي الى المدرسة التي تعتبر ان الفنّ يجب أن يكون مرآة الواقع، وعاكساً له. لكن، بأيّ مكيال يقاس هذا الواقع، حينما يكون خاضعاً ــ الى هذا الحدّ ــ لنظرة ماكيافيلية (مثل هذه التي يملكها مور) حيث الغاية تبرّر الوسيلة. لذلك، أكثر من كونها رسائل هجاء أو مناشير سياسية أو مانيفيستاً جديداً في شأن الوثائقي المرفق بتعليق ساخر، فإن أفلام مور تعتبر "كوميديات" سوداء تستلهم من المونتي بيتون أكثر مما تستلهم من بيتر واتكينز، وتحفته البصرية "معسكر العقاب"، حيث استعراض صادم لفاشية السلطة الاميركية على نحو لم يفعله أحد. اثبت مور عبر افلامه السابقة انه يفبرك حقائق كي "يضرب" فيها حقائق أخرى، والانكى ان هذا كلّه، يا للغرابة، لا يجعل منه غشاشاً
أو ديماغوجياً صغيراً كأولئك الذين نجدهم في المعترك السياسي اللبناني، مثلاً.
ومثلما لا نفهم كيف ان شخصاً مثل بوش استطاع تضليل الاميركيين حول الاسباب الفعلية التي كانت وراء غزو افغانستان والعراق، لا نفهم في "سيكو" كيف ان اغنى بلد في العالم، تكون الرعاية الصحيّة فيه سيئة الى هذا الحدّ، الى درجة أنها تأتي في المرتبة رقم 27 خلف سلوفينيا، علماً ان ملايين لا يسعهم اللجوء إلى هذا النظام في دولة تسعى الى وضع اليد على ثروات الكرة الارضية. يفتح مور النار على النظام الصحي الأميركي الذي يستفيد من خدماته 45 مليون أميركي لا تُغطّى نفقاتهم الصحية، موجهاً أصابع الاتهام إلى الشركات الصيدلانية، وإدارة الغذاء والدواء الأميركية، والهيئات الحكومية الاميركية، وشركات التأمين المجرمة في معظمها (وهذا ليس في أميركا فقط…). مرّة أخرى بعد "فهرنهايت 9/11"، يولّف مور الحقائق الثابتة في نبض انساني يحلو لنا أن "نستمتع" بكلّ لحظة فيه.

يتنقل مور بكاميراه من حالة الى أخر
المزيد